الأخبارمقالات الرأي

د. محمد علي يكتب: مستقبل العمل بين الخوف والفرص في ظل تسارع التكنولوجيا الناشئة

بقلم: د. محمد علي – استشاري التحول الرقمي والأمن السيبراني

في أحد المكاتب الحكومية. جلس موظف خمسيني أمام شاشة الكمبيوتر يتأمل رسالة إلكترونية جاء فيها: “سيتم قريباً تطبيق نظام ذكي لإنهاء كافة الإجراءات عن بُعد من خلال المنظومة الإلكترونية.” لم تحمل الرسالة تهديداً مباشراً له، لكنها كانت كافية لإشعال سؤال ثقيل في رأسه: ما مستقبل العمل؟ هل أصبحت وظيفتي مؤقتة؟ هل سيأتي يوم يتم فيه الاستغناء عني بعد هذا العمر؟

مستقبل العمل

هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح سؤالاً جماعياً يتردد في الإدارات الحكومية، والبنوك، والشركات. وحتى في المهن الحره فيتبادر الى ذهن الملايين حول العالم يورقهم هذا التساؤل. يتردد بصوت مسموع أحياناً. وبهمس في أغلب الأحيان الاخرى يختلط فيه القلق بالدهشة : “هل الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظيفتي؟”

ما هو الذكاء الاصطناعي حقاً؟

ولكي نجيب هلى هذا التساؤل المشروع فلابد لنا في اول الامر ان نعرف ما هو الذكاء الاصطناعي؟. على الرغم من الهالة التي تحيط به، فالذكاء الاصطناعي ليس كائناً مفكراً ولا عقلاً ينافس الإنسان الذي خلقه الله بيديه واودع فيه من الحكمة وحسن تصرف والإدراك مال يضاهييه غيره ليتمكن من اعمار هذا الكون. وبفضل الإمكانات الاستثنائية للعقل البشري. تمكن المتخصصون في الرياضيات وعلوم الحوسبة من تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، المعتمدة على مجموعات متقدمة من الخوارزميات القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، واستخلاص أنماط منها، ثم تقديم تنبؤات أو توصيات أو قرارات محدودة النطاق بشكل صحيح مبني على اسس علمية تساعد متخذ القرار للوصول الى القرار الدقيق، فهو سريع، دقيق، لا يمل، ولا يخطئ حسابياً. لكنه مازال عاجزاً عن إدراك السياق الإنساني والأخلاقي والاجتماعي، الذكاء الاصطناعي لا يفكر بل ينفذ ما يتم تدريبه عليه.

لماذا نخاف إذن؟

الخوف في جوهره فطرة إنسانية تظهر عند مواجهة تهديد محتمل. ليس خوف اليوم من الذكاء الاصطناعي جديداً، فقد سبقه خوف مماثل عند ظهور الآلة البخارية، ثم الحاسوب، ثم الإنترنت. في كل مرة ظن الناس أن الآلة ستحل محل الإنسان نهائياً، وفي كل مرة تغير شكل الوظائف المطلوب دون أن يختفي دور الانسان.
اختفت وظائف بالفعل، لكن نشأت وظائف أخرى لم تكن موجودة قبل عقد واحد فقط.

وظائف تتراجع.. ووظائف تولد

نعم، هناك وظائف تتأثر سلباً، لاسيما تلك التي تعتمد على التكرار والمهام الروتينية ذات القواعد الثابتة والتي منها على سبيل المثال إدخال البيانات، المعاملات الورقية، بعض خدمات العملاء التقليدية، المعالجة اليدوية للمعاملات، في هذه المساحات، تتفوق الأنظمة الذكية لأنها أسرع وأقل تكلفة وأقل عرضة للخطأ.

لكن الصورة ليست سوداوية، فالتكنولوجيا نفسها خلقت العديد من الأدوار والوظائف الجديدة، مثل محلل البيانات ومهندس التعلم الآلي وخبير الأمن السيبراني ومدير التحول الرقمي والمشرف التشغيلي على الأنظمة الذكية داخل المؤسسات وغيرها من مئات الوظائف الاخرى، هذه الوظائف لم تكن موجودة بشكلها الحالي قبل سنوات قليلة، وهي اليوم من الأعلى طلباً وأجراً في سوق العمل العالمي.

حتى في القطاعات الحكومية، حيث تم تطبيق أنظمة إلكترونية متقدمة، لم يتم الاستغناء عن الموظفين، بل أعيد توجيههم. العامل الذي كان يقضي يومه في إدخال البيانات، أصبح يراجع مخرجات النظام. ويتحقق من الحالات الاستثنائية. ويتدخل عند الضرورة، لقد تحول دوره من منفذ إلى محلل ومشرف.

هل الذكاء الاصطناعي عدو الموظف؟

الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس خصماً لاحد، لكنه أداة يجب استغلالها، الخصم الحقيقي هو الجمود ومقاومة التغيير والاعتماد على مهارات لم يعد السوق يحتاجها، الموظف الذي يتعلم أساسيات التكنولوجيا، حتى بقدر مبسط، يصبح أكثر أمانًا لا أقل، ولتكن قاعدة لدينا جميعاً دع الآلة تقوم بما تتقنه، وتفرغ أنت لما لا  تستطيع هي فعله.

في البنوك تحلل الأنظمة الذكية الأرقام وتقيم المخاطر  لكن القرار النهائي يظل بشرياً ، في الطب تقترح الآلة التشخيص  لكن الطبيب يخبر المريض ويختار العلاج ويتحمل تبعات القرار، في الإدارة تولد الأنظمة التقارير لكن الإنسان يفسرها ويحدد الاستراتيجية الفاعله.

بالإضافة إلى ذلك فالذكاء الاصطناعي لا يملك طموحاً  ولا يسعى إلى منصب  ولا يفهم معنى المسؤولية. لكنه يعمل في الحدود التي نضعها نحن. فالخطر لا يكمن في تطور التكنولوجيا، بل في غياب جاهزية الإنسان لها.

السؤال الحقيقي

ربما لم يعد السؤال المناسب هو  هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ ولكن السؤال الأدق هو هل أنا مستعد لوظيفتي كما ستكون لا كما كانت؟

فالتاريخ يخبرنا أن العمل لا يختفي. بل يعيد تشكيل نفسه كل فتره. والذكاء الاصطناعي لم يظهر ليلغي وجود الإنسان بل ليجبره على إدراك قيمته الحقيقية. والإنسان الذي يفهم دوره ويتعلم كيف يوظف التكنولوجيا سيظل مهما تغيرت العصور وتبدلت الوظائف هو محور العمل وصانع القرار وصاحب القيمة الأعلى.

اقرأ ايضاٌ:

د. محمد علي يكتب: حرب البيانات والذكاء الاصطناعي… من يملك المعلومات يملك العالم

مستقبل الوظائف في خطر: أمودي يحذر من حمام دم للوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى