في خطوة علمية تبدو وكأنها خرجت من عالم الخيال العلمي، تمكن العلماء من تطوير أنظمة حاسوبية تعتمد على خلايا دماغ بشرية حقيقية، فيما يعرف باسم الحوسبة الحيوية.
الفكرة تقوم على تحويل خلايا عصبية إلى “عضيات دماغية” صغيرة، يتم توصيلها بأقطاب كهربائية لتعمل كمعالجات حيوية دقيقة، قادرة على تنفيذ مهام حسابية مع استهلاك طاقة منخفض جدًا مقارنة بالحواسيب التقليدية.
يشير الباحثون إلى أن الدماغ البشري يعمل بطاقة لا تتجاوز 20 واط فقط، مع قدرة على تنفيذ ما يقارب مليار عملية حسابية في الثانية، بينما تحتاج أقوى الحواسيب العملاقة إلى ملايين الواتات لتحقيق أداء مشابه.
هذا يوضح الكفاءة المذهلة للحوسبة البيولوجية مقارنة بالتقنيات التقليدية.
تجارب مذهلة في الحوسبة البيولوجية
بدأت التجارب العملية في هذا المجال منذ عدة سنوات.
ففي 2022، نجحت شركة Cortical Labs الأسترالية في تدريب خلايا عصبية صناعية على لعبة “بونغ” الشهيرة.
وفي تجربة أخرى، طور العلماء نظامًا حيويًا يعرف باسم Brainoware قادرًا على استخدام خلايا الدماغ للتعرف على أنماط الكلام البشري.
مؤخرًا، أعلن فريق من جامعة بريستول عن استخدام عضيات دماغية بشرية للتعرف على حروف برايل، ما يؤكد أن الخلايا العصبية يمكنها التعلم والاستجابة للبيانات بطريقة مشابهة للدماغ البشري، ولو بشكل مبسط.
سباق عالمي لتطوير الحوسبة الحيوية
تشارك مراكز بحثية وشركات ناشئة في الولايات المتحدة، سويسرا، الصين وأستراليا في سباق لتطوير منصات حوسبة حيوية هجينة. من أبرز هذه الشركات:
FinalSpark: توفر الوصول عن بُعد إلى العضيات العصبية.
Cortical Labs: أطلقت أول حاسوب بيولوجي مكتبي باسم CL1، والذي من المتوقع أن يستخدمه خبراء الذكاء الاصطناعي في مهام معقدة قريبًا.
كما تخطط جامعات مثل جامعة كاليفورنيا في سان دييغو لتوظيف العضيات الدماغية في التنبؤ بأحداث معقدة مثل تسربات النفط في غابات الأمازون بحلول عام 2028.
الحوسبة الحيوية في الطب والعلوم
بعيدًا عن التطبيقات التقنية، تعتبر الحوسبة البيولوجية أداة واعدة في الطب العصبي.
فالعضيات الدماغية يمكن استخدامها كبديل للنماذج الحيوانية في اختبارات الأدوية، ومتابعة أنماط نشاط الدماغ المرتبطة بالأمراض العصبية مثل الصرع.
كما يمكن تطوير أدوات للتنبؤ بأحداث معقدة في الطبيعة والبيئة، مما يوسع نطاق استخداماتها العلمية.
التحديات الأخلاقية والتقنية
رغم الإمكانات الهائلة، يثير هذا المجال جدلًا أخلاقيًا واسعًا. مصطلح “ذكاء العضيات” الذي اقترحته Cortical Labs أثار أسئلة حول احتمالية وجود وعي أو إدراك لدى هذه الخلايا، على الرغم من أن الخبراء يؤكدون أن العضيات الحالية لا تمتلك أي مستوى من الوعي.
أما التحديات التقنية فتشمل:
صعوبة الحفاظ على هذه الخلايا حية لفترات طويلة.
استقرار الأداء مقارنة بالمعالجات الإلكترونية.
ضرورة وضع إطار أخلاقي وقانوني واضح للتطبيقات التجارية والطبية.
مستقبل الحوسبة الحيوية
يبقى الحوسبة الحيوية مجالًا واعدًا يجمع بين التكنولوجيا والبيولوجيا، مع إمكانية تحويل طرق التفكير في الذكاء الاصطناعي، الحوسبة، والطب العصبي.
ومع استمرار الأبحاث والتجارب، قد تشهد السنوات القادمة طفرة كبيرة في تطوير الحواسيب الحية.. لكن التحديات الأخلاقية والتقنية ستظل عاملًا أساسيًا في مسار هذه الثورة العلمية.










