أبحاث تقنيةالأخبار

مفتي الجمهورية في مؤتمر الأوقاف: الذكاء الاصطناعي وسيلة للبناء ولن يغني عن الكفاءة الأخلاقية

أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن العالم المعاصر يمر بمنعطف تاريخي نتيجة الطفرة غير المسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبدايةً، أوضح فضيلته خلال مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن هذه التحولات تفرض ضرورة ربط التقدم التقني بالمقاصد الإنسانية الكبرى. إذ يرى المفتي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في الإطار القيمي الذي يحكم توظيفها. وبناءً على ذلك، شدد على أهمية عدم تحول الوسائل التكنولوجية إلى غايات تقضي على كرامة الإنسان. ومن ثمَّ، تصبح استراتيجية استشراف مستقبل المهن مرهونة بمدى تمسكنا بالضمير الإنساني والتشريع الراشد.

إعداد الكوادر المهنية بين التمكين التقني والتأهيل الأخلاقي

أشار مفتي الجمهورية إلى أن إعداد أجيال المستقبل في ظل خوارزميات الذكاء الاصطناعي يتطلب منهجاً مزدوجاً يجمع بين العلم والقيم. إذ يجب أن يتمتع الموظف بالتمكين المعرفي والتقني العالي لمواكبة سوق العمل المتغير. علاوة على ذلك، لا يغني هذا التفوق التكنولوجي عن بناء الإنسان أخلاقياً وسلوكياً. وبناءً على ذلك، تظل “الإنسانية” هي الميزة التنافسية الكبرى التي يمتلكها البشر في مواجهة الأتمتة. وحيث أن التقنيات تظل مجرد أدوات، فإن المسؤول الأول عن توجيهها نحو النفع هو الإنسان الواعي. وبالتالي، فإن الفصل بين التكنولوجيا والأخلاق يؤدي إلى تهميش قيم العدالة والكرامة.

 التحول الرقمي وتحدي اندثار المهن التقليدية

تطرق فضيلة المفتي إلى المخاوف المتزايدة من تراجع بعض المهن أو اندثارها بسبب تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي الشامل. إذ أوضح أن المهن تنقسم حالياً بين يدوية مهارية، وإبداعية تعتمد على اتخاذ القرار، وتقنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبالإضافة إلى ذلك، أكد أن القيم الدينية تمثل مرجعية أساسية لتوجيه هذه الأنماط المهنية الجديدة. وبناءً على ذلك، يجب ألا نخشى التقنية بل نسعى لإدارتها بذكاء يحفظ حقوق الناس. وحيث أن عمارة الأرض هي مقصد أصيل، فإن استخدام التكنولوجيا المتطورة في الإعمار هو جوهر الاستخلاف في الأرض. ومن هنا، تبرز أهمية دمج التقنية في خدمة الحضارة الإنسانية المعاصرة.

 الإرث الحضاري الإسلامي.. من الهندسة اليدوية إلى البرمجة الذكية

استعرض فضيلة الدكتور نظير عياد كيف شكلت المهن العلمية والخدمية مثل الطب والفلك والهندسة ركيزة الحضارة الإسلامية قديماً. إذ استخدم المسلمون المهن كوعاء حضاري يعكس الإبداع والاتقان الهندسي في تشييد المدن والمنارات. علاوة على ذلك، لم تكن هذه المهن أنشطة تقنية منفصلة، بل منظومة متكاملة لخدمة البشرية. وبناءً على ذلك، نجد أن التفوق في “جودة البناء” و”الإتقان” هو ما جعل حضارتنا مرجعاً عالمياً لقرون. وحيث أننا نعيش اليوم عصر البرمجيات والبيانات الضخمة، فإننا مطالبون باستعادة هذا الدور القيادي. ولذلك، يجب أن يراعي الخطاب الديني المعاصر هذه التحولات التكنولوجية العميقة.

تجديد الخطاب الإفتائي لمواكبة الثورة التكنولوجية

ختاماً، شدد مفتي الجمهورية على أن المؤسسات الدينية والإفتائية مطالبة بتجديد واعٍ ومنضبط يراعي واقع الذكاء الاصطناعي. إذ يجب فهم التحولات المتسارعة في سوق العمل لتقديم فتاوى تخدم المجتمع وتحفظ الثوابت. وبعد ذلك، دعا فضيلته المشاركين في المؤتمر إلى صياغة وعي مهني أخلاقي يواكب متطلبات العصر الرقمي. وحيث أن المستقبل يُبنى الآن، فإن مخرجات هذا المؤتمر ستسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. ولذلك، تظل الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، بما توفره من ضوابط قيمية تحكم أعقد التقنيات الحديثة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى