د. محمد حجازي يكتب: المكياج الأخلاقي.. كيف تحول المجتمع إلى قضاة على منصات التواصل؟
بقلم: د. محمد حجازي – خبير التشريعات الرقمية
يبدو أن الجميع قد حجز مقعده في الصفوف الأولى، ونصب نفسه عضواً في “لجنة التحكيم الإلهية”.
الجميع يرتدون أجنحة بيضاء مصطنعة، ويوزعون صكوك الكفر والإيمان، يحللون ويرسمون سيناريوهات لامرأة.. اختارت أن تنهي حياتها من الطابق الثالث عشر، تاركة خلفها طفلتين ووجعاً لا يدركه إلا من احترق بناره.
ملائكة الفتوى وانتهاك حرمة الموت
نحن نعيش وسط “ملائكة” لا تخطئ، ملائكة تفرغوا لجلد الضحية وهي في دار الحق.
هؤلاء هم “ملائكة الفتوى” الذين هجروا رحمة الله الواسعة، وانشغلوا بتقرير مصير الراحلة في الآخرة، وكأن مفاتيح الجنة والنار باتت معلقة في رقابهم.
أما ملائكة التريند، فقد استباحوا حرمة الموت ونشروا صورها وصور بناتها اليتيمات بدم بارد؛ سعياً وراء “إعجابات” مغموسة بانتهاك الخصوصية والتشهير.
هؤلاء “المنظرون” يكتبون من خلف شاشاتهم ببرود عن الضعف وقلة الإيمان، دون أن يختبروا لحظة واحدة.. من الضغط الذي يجعل الإنسان يرى في الموت المهرب الوحيد من جحيم الأرض.
المكياج الأخلاقي وازدواجية المعايير
للأسف، هؤلاء “الملائكة” هم أصل المأساة؛ هم من يفرضون زيجات معينة أو يمنعون أخرى، وهم الذين يرفضون الإنفاق على أطفالهم بعد الطلاق، تاركين الأم تصارع الحياة وحدها لتنكسر.
الحقيقة المرة أننا نعيش في مجتمع يتقن المكياج الأخلاقي؛ مجتمع لا يرى سوى القشة، بينما يتغافل عن الجذع الذي يسحق العظام.
إن المجتمع الذي يرى العيب في رد فعل الضحية، ويغض الطرف عن فعل الجاني الذي دفعها نحو الهاوية، هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة إنسانيته.
هؤلاء يحولون حياة الصغار إلى ساحة حرب نكاية وانتقاماً، ثم يتحدثون عن الأخلاق والفضيلة.
الخلاصة: إنسانية تذوب عند الاختبار
ارحموا من في الأرض، لعل الله يرحمكم من قسوة قلوبكم. رحم الله كل روح قاومت ولم تستطع الصمود، والخزي لكل من نصب نفسه قاضياً وهو غارق في الخطايا. نحن حقاً في مجتمع ملائكة، لكنهم ملائكة من ملح، يذوبون عند أول اختبار حقيقي للإنسانية.









