الأخبارمقالات الرأي

حسن عثمان يكتب.. كيف نجت هواوي من مقصلة العقوبات؟ معمارية LogicFolding تعيد تخطيط صناعة الرقائق

بقلم الأستاذ حسن عثمان مقدم برنامج وطن رقمي

لعدة عقود كاملة، عاشت صناعة المعالجات والرقائق الإلكترونية تحت حكم قانون صارم ومبدأ واحد لا يتغير: “الأصغر هو الأقوى”.

هذا المبدأ، المعروف في الأوساط التقنية باسم “قانون مور” (Moore’s Law)، دفع شركات التكنولوجيا العملاقة مثل TSMC، وإنتل، وسامسونج، إلى الدخول في سباق تسلح ميكروسكوبي لتصغير حجم الترانزستورات من 7 نانومتر إلى 5 ثم 3 نانومتر؛ لكون هذا التصغير يسمح بحشر عدد أكبر داخل نفس مساحة الشريحة، وبالتالي تقديم أداء أسرع، واستهلاك طاقة أقل، وذكاء أعلى.

لكن مع الوقت، تحول الوصول لأحجام أصغر إلى كابوس هندسي حقيقي بمعدات معقدة تتكلف مليارات الدولارات، وتملك تكنولوجيتها شركات محدودة على رأسها TSMC.

وهنا بدأت أزمة شركة هواوي الصينية، بعدما قطعت العقوبات الأمريكية وصولها لأحدث تقنيات التصنيع، وكان المتوقع خروجها تماماً من السباق، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً؛ فقد قررت هواوي ألا تلعب بالقواعد القديمة، بل أن تغير اللعبة نفسها.

معمارية LogicFolding: إعادة تخطيط المدينة الرقمية

بدلاً من محاولة الكسب بالطريقة التقليدية، طرحت هواوي سؤالاً مختلفاً: “من قال إن الحل الوحيد هو التصغير؟”.

ولتبسيط هذا المشهد الفيزيائي المعقد، يمكننا تخيل مدينة ضخمة تعاني من تكدس مروري خانق، وبدلاً من حل الأزمة عبر تصغير حجم السيارات، قررت الشركة الصينية إعادة تخطيط شوارع وطرق المدينة نفسها.

هذا التوجه يعتمد على معيار يسمى التوسع الزمني (Time Scaling)؛ فإدارة أداء الشريحة لا تعتمد فقط على عدد الترانزستورات، بل على الزمن الذي تحتاجه الإشارات الكهربائية للتحرك بين أجزاء المعالج المختلفة. كلما طالت المسافات الداخلية، حدث تأخير أكبر وضياع في الطاقة (Latency).

ومن هنا ولدت معمارية LogicFolding الثورية، والتي تعيد تنظيم الدوائر الداخلية وتقريب الوحدات التي تتعامل مع بعضها باستمرار، كأنك تعيد هندسة مدينة كاملة لتقليل الزحمة لأقصى درجة.

ولم يعد الموضوع مجرد أبحاث على الورق، بل أكدت المؤشرات أن هواوي اشتغلت على التقنية لـ 6 سنوات وطبقتها على 381 شريحة دخل بعضها الإنتاج التجاري بالفعل.

مستقبل عائلة Kirin والمنافسة العالمية

من المنتظر أن يظهر أول معالج Kirin مبني على معمارية LogicFolding مع سلسلة هواتف Huawei Mate 90 خلال هذا العام، مع طموح صيني بالوصول لتقنيات بديلة توازي كفاءة 1.4 نانومتر بحلول عام 2031، لخلق مسار موازٍ كامل بعيداً عن الهيمنة التقليدية.

الواضح أن العالم بدأ يأخذ هذا التحول بجدية شديدة، ولا سيما بعد تصريحات “جينسن هوانج”، الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA، حين قال إن السوق الصيني للرقائق “تُرك بالكامل لهواوي”.

إنها مرحلة جديدة تعلن فيها الصين بوضوح: إذا لم نكن قادرين على الفوز بالقواعد القديمة، فسنكتب قواعدنا الخاصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى