الأخبارمجلة وطن رقمي

المهندس ياسر القاضي في أول حوار حصري بعد خروجه من الوزارة: ما بدأناه مستمر… والتحول الرقمي هو مشروع وطن لا مشروع وزارة

لم أسعى لمنصب.. الوزير السابق يرد بحسم على شائعات طموحه لرئاسة الحكومة

في زمنٍ كانت فيه مصر تخطو خطواتها الأولى نحو التحول الرقمي برز اسم المهندس ياسر القاضي كأحد أبرز مهندسي هذا التحول وصُنّاع بنيته التحتية، فلم يكن التحول بالنسبة إليه مشروع وزارة أو فترة ولاية، بل مشروع وطن يهدف إلى تأسيس دولة حديثة تُدار بالعلم والبيانات.

آمن القاضي منذ البداية أن التحول الرقمي لا يبدأ بالأجهزة أو التطبيقات، بل يبدأ بالبيانات الدقيقة الموحدة والآمنة، التي تُبنى عليها كل سياسات الدولة وخدماتها.

ومن هذا المنطلق، أطلق واحدًا من أهم المشاريع القومية في تاريخ تكنولوجيا المعلومات المصرية “مشروع تنقية وتوحيد قواعد البيانات الحكومية” والذي أسس لما نعرفه اليوم باسم منصة مصر الرقمية.

وفي حوار صحفي شامل لمجلة وطن رقمي بعد خروجه من الوزارة، يتحدث القاضي بجرأة ووضوح عن رحلة التحول الرقمي في مصر، ومبادرة “مصر تصنع الإلكترونيات”، وتحديات الذكاء الاصطناعي، ودور العنصر البشري في مستقبل التكنولوجيا.

الحوار يكشف للمرة الأولى ملامح ما بعد الوزارة، وكيف واصل القاضي دوره الاستشاري والاستثماري في مجالات التحول الرقمي، وسلاسل الإمداد، والاستشارات الدولية.

– بعد مغادرتك المنصب الوزاري كيف كانت البداية الجديدة لك في الحياة العملية؟

بدأت بعد حوالي تسعة أشهر من خروجي من الوزارة حيث أسست شركتي في الولايات المتحدة الأمريكية، الشركة متخصصة في مجال الاستشارات، وكنت أعمل أيضًا في مشاريع بإنجلترا وأمريكا، إلى جانب بعض الأعمال داخل مصر كمستشار في مجالات مختلفة مثل سلاسل الإمداد، ومن أبرز المشاريع كان إنشاء رصيف بحري في منطقة الدخيلة متخصص في سلاسل الإمداد للمواد الصلبة والسائلة، بمشاركة مستثمرين من السعودية وفرنسا وإنجلترا وروسيا، تدخّلت فيه كمستشار ومستثمر، ثم تركزت أعمالي لاحقًا في الإمارات والسعودية وعُمان، والحمد لله حققنا نجاحات كبيرة في التحول الرقمي والأنظمة الذكية.

– لماذا لم تأسس الشركة فى مصر بدلاً من أمريكا؟

لأن الشركة استشارية عالمية وليست محلية فقط معي فريق مصري كبير، لكن أيضًا شركاء من إنجلترا وفرنسا ودول مختلفة، واخترت تأسيسها في ولاية ديلاوير، ومقرها الرئيسي في نيويورك، لأنها تمنح فرصة توسع عالمية أكبر.

درست السوق جيدًا ووجدت أن تأسيس الشركة هناك يتيح مرونة وانتشارًا لا يمكن تحقيقه لو كانت الشركة ذات طابع محلي فقط.

– هل للشركة وجود في السوق المصري؟

نعم، نحن نقدم خدماتنا الاستشارية من خلال الشركة الأم لجهات كثيرة في المنطقة، ولدينا تخصصات كبيرة في الشمول المالي وتقديم الخدمات الرقمية للمؤسسات المالية، سواء بنكية أو غير بنكية.

– كيف ترى مشهد التحول الرقمي في مصر خلال السنوات الأخيرة؟

أرى أن هناك مجهودات كبيرة تُبذل من الدولة في هذا الملف، مبنية على بنية تحتية قوية وتطبيقات متطورة، لكنى أدركت مبكرًا أن التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من قاعدة بيانات سليمة، وأن البيانات الدقيقة هي الأساس الذي يُبنى عليه أي مشروع وطني ناجح، سواء في مجالات التخطيط أو التنمية أو تقديم الخدمات الذكية للمواطنين، ووضعنا خطة كاملة لمشروع وطني هو مشروع تنقية وتوحيد قواعد البيانات الحكومية، وهو ما وضع مصر على طريق بناء بنية معلوماتية متكاملة تُسهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة وشفافية.

كان هناك جهود مشتركة من كل الوزارات وتنسيق كامل بين الجهات الحكومية المختلفة، وتطبيق معايير صارمة لضمان جودة البيانات، وصولًا إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تمثل نموذجًا يحتذى به في المنطقة، وتحقق هذا المشروع بفضل الدعم الكبير من الدولة المصرية وأسهم هذا التوجه في تعزيز مشروعات التحول الرقمي لاحقًا، وفتح الطريق أمام إطلاق منظومات متكاملة مثل بطاقة الخدمات المتكاملة، ومنصات الدعم النقدي، وخدمات مصر الرقمية، وتكافل وكرامه، لتصبح البيانات أداة تمكين حقيقية للدولة والمجتمع.

وماذا عن ملف التدريب وإعداد الكوادر البشرية المؤهلة فى هذا القطاع الواعد؟

كثير من البرامج الحالية هي استمرارية لمبادرات اطلاقناها في 2015 مثل Next Technology Leader التى تم تغيير اسمها حاليا وأصبحت “رواد مصر الرقمية”، وعندما بدأت عملي في الوزارة، بنيت على جهود من سبقوني مثل الدكتور طارق كامل – رحمه الله – والدكتور أحمد نظيف، أما الفترة التى سبقتنى مباشرة كانت فترة صعبة على المستوي السياسى والاقتصادي، وواصلنا بناء البرامج القومية مثل “مصر تصنع الإلكترونيات”، الذي كان أحد أعمدة استراتيجية الدولة وقتها.

– ما الهدف الحقيقي من إنشاء المناطق التكنولوجية في المحافظات؟

المحور الأساسي في الاستراتيجية كان المواطن، أردنا أن يحصل كل مواطن في الصعيد أو الوجه البحري على نفس الفرص المتاحة في القاهرة، أنشأنا المناطق التكنولوجية كمنارات في المحافظات، والمنطقة التكنولوجية في أسيوط مثلًا كانت الأساس الذي أُنشئ عليه مصنع “سيكو” لتجميع أول هاتف مصري، وعندما بدأ المصنع، اتفقنا مع المهندس محمد سالم أن يكون الحد الأدنى للمرتبات 5000 جنيه، فارتفعت أجور العاملين فى أسيوط كلها وحدثت طفرة اقتصادية محلية، وللعلم في أسيوط جامعة من أفضل الجامعات على المستوي الإقليمى وليس المحلى فقط.

– وهل كان للمناطق التكنولوجية أثر اجتماعي مباشر؟

بالطبع خلقت فرص عمل حقيقية وفتحت باب الهجرة العكسية، من القاهرة إلى المحافظات، شركات المحمول أنشأت مراكز خدمة عملاء في أسيوط والبرج العرب وبني سويف والسادات، والأخيرة خصصناها لإنشاء معامل الإلكترونيات بالتعاون مع معامل عالمية، ونجاح المشروع لم يكن جهد فرد، بل ثمرة فريق متجانس، عمل بشفافية وحماس وإيمان بالاستراتيجية الوطنية.

– تحدثت كثيرًا عن “مصر تصنع الإلكترونيات”.. كيف بدأت الفكرة؟

الفكرة انطلقت من إدراكنا أن الدول التي تملك قدرات إلكترونية هي التي تملك القوة الاقتصادية والعسكرية.

استراتيجيتنا كانت مبنية على ثلاثة محاور: التصنيع، التصميم، والتصدير، بدأنا بتصنيع الهواتف المحمولة لتقليل الاستيراد وزيادة الصادرات، وأهديناه للسيد الرئيس خلال فاعليات مؤتمر كايرو آي سى تي، وكان أمامنا هدف أهم هو التصميم الإلكتروني، وأنشأنا مركزًا في المعادي لتجميع شركات تصميم الإلكترونيات في مكان واحد، ليكون نواة لصناعة التصميم في مصر.

– هل واجهت تحديات في التنفيذ؟

بالطبع لكننا بدأنا بقوة، وأغلب الشركات التى افتتحت مصانع لها فى مصر الآن قمنا بزيارتها من قبل فى إطار زيارات رسمية إلى الصين وغيرها، والتقينا رؤساء شركات مثل Oppo وVivo، وعقدنا شراكات لنقل الخبرة إلى مصر.

مصنع “سيكو” لم يكن الوحيد؛ بل كان هناك مصانع أخري فى الطريق، وأنشأنا المنطقة التكنولوجية في السادات لتكون مركز اختبار واعتماد دولي للمنتجات الإلكترونية، وسعيد بقرار مجلس الوزراء مؤخرًا بإعادة تفعيل مبادرة “مصر تصنع الإلكترونيات” التي أطلقناها عام 2016، فأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا.

– هناك من قال إنك غادرت الوزارة بسبب طموحك لتولي رئاسة الحكومة على خطى الدكتور أحمد نظيف، ما تعليقك؟

هذا الكلام غير صحيح، رئيس الحكومة هو اختيار من رئيس الجمهورية، وفقًا لرؤيته الاستراتيجية للدولة.

المنصب تكليف لا طموح شخصي، ومن يشغل منصبًا وزاريًا في دولة بحجم مصر نال بالفعل شرفًا كبيرًا، أن تكون وزيرًا لمصر شرف عظيم، وأن تُكلف برئاسة الحكومة تشريف أكبر، لكنه ليس شيئًا يُسعى إليه بل يُكلف به.

– ما رؤيتك لمستقبل الذكاء الاصطناعي في المنطقة؟

الذكاء الاصطناعي هو مستقبل العالم، وهو تحدٍ كبير، الإمارات مثلًا استثمرت مليارات في هذا المجال، وبنت مراكز بيانات ضخمة داخلها لخدمة تطبيقات الـ AI، تعاونت مع شركات كبرى مثل Microsoft وAmazon وGoogle، كذلك السعودية اتخذت خطوات جادة ببناء مراكز بيانات بالتعاون مع Nvidia وغيرها باستثمارات ضخمه للغاية.

أما في مصر فعلينا أن نحدد نقاط قوتنا في هذا المجال ونبني عليها، الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى “حوكمة” واضحة لضمان استخدامه الآمن والمسؤول، ويجب أن يكون لدينا تشريعات تنظم ذلك.

– ما الخطوات التي تراها ضرورية لتحسين مستقبل الذكاء الاصطناعي في مصر؟

التركيز على العنصر البشري أولًا، لأن الشباب المصري هو نقطة القوة الأكبر، ولدينا خريجون متعلمون جيدًا وطموحون، ويحتاجون فقط إلى فرص حقيقية، والدولة يجب أن تقود هذا التحول وتؤهل البنية الأساسية له.

 – حدثنا عن تجربة إطلاق خدمات الجيل الرابع في مصر.

عندما بدأت إجراءات الرخص للجيل الرابع كانت مصر من أربع دول فقط في العالم لم يدخلها الـ 4G بعد، تأخرنا بسبب الترددات والظروف الاقتصادية والسياسية، لكننا تمكّنا من طرح الرخص، وكان من الضروري أن تحصل المصرية للاتصالات على رخصة لتقديم جميع الخدمات، لتصبح شركة متكاملة، تقدم المحمول والإنترنت الأرضي معًا، ذلك أعادها للواجهة بعد أن كانت على وشك أن تصبح شركة قديمة “متهالكة”، وأعادها للمنافسة القوية في السوق.

– ما تقييمك لدور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اليوم؟

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من أقوى نماذج الحوكمة في مصر، ولا يقل دوره عن ما يقوم به البنك المركزي المصري الذى يخطوا بنجاح وقوة ايضًا، وكلاهما يمثل نموذجًا تنظيميًا يحتذى به في القطاعات الحيوية، الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اليوم يؤدي دورًا قويًا في ضبط السوق ومنح تراخيص عادلة وضمان المنافسة.

– هل ترى أن هناك فرصًا ضاعت على مصر في السنوات الماضية؟

أنا لا أؤمن بمفهوم “الفرص الضائعة”، الفرصة لا تضيع طالما هناك إرادة، ربما تتأخر، لكنها تظل قائمةن وسعيد جدًا بعودة ملف التصنيع الإلكتروني للواجهة، لأن البداية كانت صعبة، والآن لدينا كل المقومات للتقدم بسرعة.

– ما رسالتك إلى شباب قطاع التكنولوجيا؟

قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات هو العمود الفقري لأي دولة حديثة، وإذا أردت أن تبني دولة قوية فابدأ بالتكنولوجيا، أنتم البناة الحقيقيون للدولة الرقمية، والفرص أمامكم كثيرة.

الدولة ستواصل تأهيل البنية الأساسية وتوفير الفرص، لأن هذا القطاع هو الذي يمنح للدولة كيانًا وصوتًا في العالم، انظروا إلى الصين مثلا، تملك التكنولوجيا، فتملك المكانة والقدرة والقوة.

– لو عُرض عليك المنصب الوزاري مرة أخرى، هل ستقبله؟

لكل حادث حديث، فهي عبارة مأثورة أفضل أن أتركها مفتوحة.

– من هو ياسر القاضي بعيدًا عن المنصب الرسمي؟

أنا متزوج ولدي ثلاثة أبناء، بنتان وولد، البنات خريجات الجامعة الأمريكية، ويعملن في شركات وبنوك كبرى، والابن طبيب أسنان متخصص في زراعة الأسنان والتركيبات الثابتة، ولدي أحفاد أيضًا، وأعتز بعائلتي كثيرًا.

– أخيرًا، ما رأيك في معرض ومؤتمرCairo ICT؟

رأيي في مؤتمر ومعرض Cairo ICT لا يتغير، أنا من أوائل المهتمين بهذا المحفل المهم جدًا لقطاع الاتصالات وأنا من دعوت السيد الرئيس لافتتاحه فى الدورات التى كنت أتولى فيها المنصب الوزاري، وحتى الدورة التى تلت خروجي كان الرئيس السيسى هو من افتتح المعرض، هذا المعرض هو أحد أهم المؤتمرات التي تُبرز شكل القطاع وصورة الدولة المصرية المعرض يعرض ما تقوم به الدولة من إنجازات، وما يقدمه القطاع من تكنولوجيا جديدة، وما تنفذه الشركات المصرية بالتعاون مع العالمية، وأتمنى التوفيق لكل القائمين عليه، وعلى رأسهم صديقي العزيز الإعلامى الكبير أسامة كمال، فالمعرض يكبر عامًا بعد عام ويزداد عدد المشاركين فيه بشكل كبير، ما يعكس الإيمان المتزايد بقيمته.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى