في وقت يشهد فيه قطاع التكنولوجيا تغيرات متسارعة. لم تعد الشهادات الأكاديمية أو الدورات التدريبية التقليدية كافية لضمان الحصول على فرصة عمل. بل أصبحت الشركات تبحث عن كوادر تمتلك المهارات الفنية والشخصية والقدرة على الانخراط في بيئة العمل وتحقيق الإنتاجية منذ الأيام الأولى. وفي حوار خاص مع بودكاست كن تك الذي يقدمه الإعلامي حسن عثمان. كشف المهندس عمرو عبد الرحمن، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Next Technology. عن رحلة الشركة الممتدة لأكثر من 25 عامًا في مجال تأهيل الكفاءات البشرية. ورؤيتها المختلفة لبناء مسارات مهنية حقيقية تتوافق مع احتياجات الشركات. إلى جانب دور الذكاء الاصطناعي في تقييم المهارات الشخصية والفنية. ومستقبل وظائف التكنولوجيا وخدمات التعهيد في مصر.
وأكد عمرو عبد الرحمن أن سوق العمل يشهد تغيرًا جذريًا، وأن مفهوم التدريب التقليدي لم يعد كافيًا. موضحًا أن الهدف الحقيقي أصبح إعداد كوادر جاهزة للانضمام إلى فرق العمل وتحقيق نتائج في أسرع وقت ممكن.
بداية الرحلة.. كيف تأسست رؤية Next Technology؟
- بداية.. حدثنا عن رحلة Next Technology، وكيف بدأت فكرة تأهيل الشباب لسوق العمل؟
ج: قال المهندس عمرو عبد الرحمن إن رحلة الشركة بدأت منذ أكثر من عقدين، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن العنصر البشري هو الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد رقمي قوي. موضحًا أن التكنولوجيا أصبحت اليوم من أكثر القطاعات نموًا وقدرة على خلق فرص العمل، إلا أن طبيعة الوظائف نفسها تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الفكرة الأساسية التي انطلقت منها الشركة لم تكن تقديم دورات تدريبية أو منح شهادات. وإنما معالجة الفجوة الحقيقية التي تواجه الشركات عند التوظيف. وهي عدم جاهزية الخريجين للانضمام إلى بيئة العمل مباشرة.
وأوضح أن كثيرًا من الشركات كانت تحتاج إلى فترات طويلة قد تصل إلى ستة أشهر حتى يصبح الموظف الجديد قادرًا على الإنتاج. وهو ما يمثل عبئًا على الشركات التي تعمل في سوق سريع التغير ويعتمد على سرعة التنفيذ.
وأشار إلى أن Next Technology تبنت منذ عام 2005 مفهومًا مختلفًا يقوم على إعداد كوادر جاهزة للعمل. وليس مجرد متدربين. مؤكدًا أن الشركة لا تعمل كشركة توظيف أو مركز تدريب تقليدي. وإنما تعتمد على بناء Job Profiles ومسارات مهنية مخصصة وفق احتياجات كل شركة وطبيعة الوظائف لديها.
وأكد أن احتياجات الشركات تختلف من مؤسسة لأخرى. سواء كانت شركات محلية أو متعددة الجنسيات أو تعمل في قطاعات مختلفة. ولذلك فإن بناء المسار المهني يتم وفق متطلبات كل جهة. بهدف توفير كوادر قادرة على الاندماج في العمل وتحقيق الإنتاجية منذ وقت مبكر.
الجاهزية أهم من الشهادات والكورسات
- لماذا تؤكدون دائمًا أن التدريب وحده لم يعد كافيًا؟
أوضح المهندس عمرو عبد الرحمن أن المشكلة الأساسية ليست في نقص الكورسات أو الشهادات، وإنما في غياب مفهوم الجاهزية لسوق العمل.
وأشار إلى أن العديد من برامج التدريب تركز على نقل المعرفة التقنية فقط، بينما تحتاج الشركات إلى أشخاص يمتلكون القدرة على العمل داخل فرق. وفهم بيئة العمل، والتعامل مع العملاء. وتحقيق نتائج فعلية خلال فترة قصيرة.
وأضاف أن هذا المفهوم هو ما دفع الشركة إلى تطوير نموذج مختلف يعتمد على بناء المسار المهني الكامل، بداية من تقييم المتقدم، مرورًا بتحديد نقاط القوة والضعف، وانتهاءً بإعداده وفق احتياجات الشركات الفعلية، وليس وفق مناهج تدريبية عامة.
كيف تحدد Next Technology المسار المهني المناسب لكل متقدم؟
- إذا كنت شابًا أرغب في العمل بمجال التكنولوجيا، كيف تحددون المسار المهني المناسب لي؟
أكد المهندس عمرو عبد الرحمن أن الشركة لا تقدم مسارات مهنية بصورة عشوائية، وإنما تبني كل مسار وفقًا لوظائف حقيقية تحتاج إليها الشركات.
وأوضح أن البداية تكون من خلال منصة Next One، حيث يختار المتقدم المجال أو الوظيفة التي يرى أنها الأقرب إلى ميوله، ثم تبدأ المنصة في طرح مجموعة كبيرة من الأسئلة المصممة بعناية لتقييم قدراته ومهاراته.
وقال إن هذه المرحلة تمثل حجر الأساس في عملية التأهيل، لأنها تساعد على اكتشاف مدى توافق الشخص مع طبيعة الوظيفة التي يرغب في العمل بها، وليس فقط قياس معلوماته التقنية.
وأضاف أن كل وظيفة في سوق العمل لها مجموعة مختلفة من المتطلبات والمهارات الشخصية، ولذلك فإن المنصة لا تبحث عن شخص يمتلك جميع المهارات بنسبة 100%، وإنما تقيس الحد الأدنى المطلوب لكل وظيفة، ثم تبدأ عملية التأهيل لاستكمال المهارات التي يحتاج إليها المتقدم.
وأكد أن بعض الأشخاص قد يمتلكون قدرات تقنية عالية، لكنهم لا يناسبون وظائف معينة بسبب نقص مهارات التواصل أو العمل الجماعي، وفي هذه الحالة يتم ترشيحهم لمسارات أخرى تتوافق بصورة أكبر مع قدراتهم، وهو ما يزيد من فرص نجاحهم في سوق العمل.
الذكاء الاصطناعي في خدمة بناء المسارات المهنية
- كيف تستخدمون الذكاء الاصطناعي في تقييم المتقدمين؟
أوضح المهندس عمرو عبد الرحمن أن منصة Next One تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل إجابات المتقدمين وتقييم مجموعة واسعة من المهارات الشخصية والسلوكية، وليس المعلومات التقنية فقط.
وأشار إلى أن المنصة تقيس عناصر متعددة، من بينها طريقة التفكير، والقدرة على التواصل، وأسلوب التعامل مع المشكلات، ومدى توافق شخصية المتقدم مع متطلبات كل وظيفة.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي لا يحدد فقط مدى ملاءمة الشخص لوظيفة معينة، بل يقدم أيضًا خريطة طريق واضحة توضح المهارات التي يحتاج إلى تطويرها حتى يصبح أكثر جاهزية لسوق العمل.
وأكد أن الهدف ليس استبعاد المتقدمين، وإنما توجيه كل شخص إلى المسار الذي يمنحه أكبر فرصة للنجاح والاستمرار في حياته المهنية.
لماذا قد ترفض الشركات خريجًا متفوقًا؟
- كثير من الشباب يحصلون على تقديرات مرتفعة وشهادات معتمدة، ومع ذلك لا يجدون فرصة عمل.. لماذا؟
يرى المهندس عمرو عبد الرحمن أن التفوق الأكاديمي وحده لم يعد كافيًا للحصول على وظيفة في قطاع التكنولوجيا، موضحًا أن الشركات أصبحت تبحث عن مزيج متكامل من المهارات الفنية والشخصية.
وقال إن هناك خريجين يمتلكون شهادات قوية وكورسات دولية، لكنهم يواجهون صعوبة في اجتياز مقابلات العمل لأن الوظيفة التي يتقدمون إليها تحتاج إلى مهارات أخرى، مثل التواصل مع العملاء، والعمل ضمن فريق، والقدرة على إدارة الوقت وتحمل ضغوط العمل.
وأضاف أن بعض الوظائف، مثل محلل الأعمال Business Analyst، تعتمد بصورة كبيرة على مهارات التواصل وفهم احتياجات العملاء، وبالتالي فإن امتلاك المعرفة التقنية وحدها لا يكفي للنجاح فيها.
وأشار إلى أن المنصة تساعد على اكتشاف هذه الفجوات مبكرًا، ثم توجيه المتقدم إلى الوظيفة الأكثر توافقًا مع قدراته، بدلاً من دفعه إلى مسار قد لا يحقق فيه النجاح مهما حصل على دورات تدريبية.
بناء المسار المهني يبدأ من احتياجات الشركات
وأكد المهندس عمرو عبد الرحمن أن Next Technology لا تبدأ بتصميم البرامج التدريبية أولًا، وإنما تبدأ بدراسة احتياجات الشركات نفسها، ثم يتم بناء المسارات المهنية وفق الوظائف المطلوبة فعليًا في السوق.
وأوضح أن الشركة تعمل مع المؤسسات لفهم طبيعة كل وظيفة والمهارات المطلوبة لها، ثم يتم تصميم رحلة التأهيل بما يتوافق مع تلك الاحتياجات، وهو ما يساهم في تقليل الفجوة بين التعليم وسوق العمل، ويزيد من فرص توظيف الشباب بعد انتهاء التأهيل.
دور الجامعات في إعداد الطلاب.. ولماذا لم تعد الدراسة الأكاديمية وحدها كافية؟
- كيف ترى دور الجامعات في إعداد الخريجين لسوق العمل؟
أكد المهندس عمرو عبد الرحمن أن الجامعات تؤدي دورًا مهمًا في بناء الأساس الأكاديمي للطلاب، إلا أن التطورات المتسارعة في قطاع التكنولوجيا تجعل من الصعب أن تواكب المناهج وحدها جميع التغيرات التي يشهدها سوق العمل.
وأوضح أن المطلوب اليوم هو تعزيز التعاون بين الجامعات وقطاع التكنولوجيا، بحيث يتعرف الطلاب منذ سنوات الدراسة الأولى على الوظائف الجديدة، والمسارات المهنية المطلوبة، والمهارات التي يبحث عنها أصحاب الأعمال.
وأشار إلى أن الطالب لا يجب أن ينتظر حتى التخرج ليبدأ في التعرف على سوق العمل، بل ينبغي أن يكون على دراية مبكرة بالتخصصات التي تتوافق مع دراسته، وكيف يمكنه تطوير نفسه بما يتناسب مع احتياجات الشركات.
وأضاف أن الجامعات يمكن أن تلعب دورًا أكبر في تعريف الطلاب بالتطبيقات العملية للتكنولوجيا داخل مختلف التخصصات، وليس داخل كليات الحاسبات أو الهندسة فقط، لأن التحول الرقمي أصبح جزءًا من جميع القطاعات.
وظائف تقليدية تتغير.. وفرص جديدة تظهر
- ذكرت أن بعض الوظائف التقليدية ستتغير.. ماذا تقصد بذلك؟
قال المهندس عمرو عبد الرحمن إن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل سوق العمل بصورة مستمرة. موضحًا أن بعض الوظائف التقليدية لن تختفي بالكامل. لكنها ستتغير في طريقة ممارستها والأدوات التي تعتمد عليها.
وضرب مثالًا بخريجي كليات التجارة، موضحًا أن كثيرًا من الطلاب ما زالوا يعتقدون أن مستقبلهم المهني يقتصر على الوظائف التقليدية. بينما أصبح سوق العمل يفتح أمامهم مجالات جديدة تعتمد على التكنولوجيا. مثل تطبيقات تخطيط موارد المؤسسات (ERP)، وتحليل البيانات، وإدارة الأنظمة الرقمية، وغيرها من الوظائف التي تجمع بين المعرفة الأكاديمية والمهارات التقنية.
وأكد أن دمج التكنولوجيا داخل مختلف التخصصات أصبح ضرورة، لأن المستقبل سيكون للأشخاص القادرين على الجمع بين الخبرة المهنية واستخدام الأدوات الرقمية الحديثة.
مبادرة «وظيفة تك».. نموذج يربط التأهيل بالتوظيف
- تحدثت عن مبادرة “وظيفتك”.. كيف تعمل هذه المبادرة؟
أوضح المهندس عمرو عبد الرحمن أن Next Technology شاركت في تنفيذ عدد من المبادرات الهادفة إلى تأهيل الشباب لسوق العمل، ومن بينها مبادرة «وظيفة تك». التي تعتمد على نموذج مختلف يربط عملية التأهيل بالحصول على فرصة عمل.
وأشار إلى أن نجاح هذا النموذج يقاس بعدد الشباب الذين يتم توظيفهم بالفعل. وليس بعدد المتدربين أو الدورات التدريبية المنفذة، وهو ما يعكس التركيز على تحقيق نتائج حقيقية تلبي احتياجات سوق العمل.
وأضاف أن الشركة تتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في تنفيذ عدد من البرامج. إلى جانب التعاون مع القطاع الخاص لتوفير فرص عمل تتناسب مع احتياجات الشركات المختلفة.
وأكد أن فلسفة الشركة تقوم على إزالة الفجوة بين التدريب والتوظيف. بحيث يحصل الشباب على التأهيل المطلوب ثم ينتقلون مباشرة إلى بيئة العمل.
أكثر من 200 شركة وشراكات تتوسع
وأشار المهندس عمرو عبد الرحمن إلى أن Next Technology تتعامل حاليًا مع أكثر من 200 شركة في عدد من التخصصات التقنية، وتستهدف التوسع خلال الفترة المقبلة للوصول إلى مئات الشركات الإضافية. بما يسهم في توفير فرص أكبر للشباب المؤهلين.
وأوضح أن الشركة لا تعتمد على برامج تدريب موحدة. وإنما تقوم ببناء المسارات المهنية بالتعاون مع الشركات نفسها. لضمان توافقها مع احتياجات سوق العمل الفعلية.
رسالة إلى الشباب
- ما الرسالة التي توجهها للشباب الراغبين في العمل بمجال التكنولوجيا؟
اختتم المهندس عمرو عبد الرحمن الحوار بالتأكيد على أن مستقبل قطاع التكنولوجيا يحمل فرصًا كبيرة للشباب المصري. لكنه يتطلب الاستعداد المستمر للتعلم واكتساب المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل.
وأوضح أن الشهادة الجامعية تمثل بداية الطريق. لكنها ليست نهاية رحلة التعلم. مشددًا على أهمية تطوير المهارات الفنية والشخصية، والتعرف على متطلبات الوظائف الحديثة. والاستفادة من المبادرات وبرامج التأهيل التي تربط التدريب بالتوظيف.
وأكد أن الاستثمار الحقيقي لأي شاب هو الاستثمار في تطوير قدراته. لأن سوق العمل أصبح يبحث عن الكفاءة والجاهزية والقدرة على التطور المستمر.
شاهد الحلقة كاملة
يمكنكم متابعة الحوار الكامل مع المهندس عمرو عبد الرحمن، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Next Technology. عبر بودكاست “كن تك” مع الإعلامي حسن عثمان على جميع منصات وطن رقمي. للتعرف على رؤيته حول مستقبل وظائف التكنولوجيا. وتأهيل الشباب. وخدمات التعهيد. والتحولات التي يشهدها سوق العمل في مصر والعالم.










