حاتم القاضي في حوار مفتوح مع مجلة وطن رقمي: الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الإنسان بل يمنحه رؤية أدق للمستقبل
في عالم يتسارع فيه إيقاع التكنولوجيا، لم تعد قيمة البيانات في جمعها أو تحليلها فقط، بل في القدرة على تحويلها إلى قرارات رشيدة تُحدث أثرًا حقيقيًا. من هذه النقطة تحديدًا، بدأت رحلة المهندس حاتم القاضي، مؤسس ورئيس مجموعة Diamond Professional Consultants، الذي اختار أن يخوض مغامرة الاستشارات الذكية في وقت لم تكن فيه المنطقة العربية قد نضجت بعد لاستيعاب هذا المفهوم. وعلى مدار أكثر من خمسة عشر عامًا، تحولت Diamond من تجربة ريادية شاقة إلى بيت خبرة إقليمي، ومن رحم هذه التجربة وُلدت منصة ذكاء THAKAA، كنموذج عربي طموح يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الذكاء الاصطناعي ومتخذ القرار.
في هذا الحوار الخاص مع وطن رقمي، يفتح حاتم القاضي كواليس الرحلة، من البدايات الصعبة، مرورًا ببناء الثقة، وصولًا إلى مستقبل تتكامل فيه المنصات الذكية مع الإنسان لصناعة قرار أفضل… إلى نص الحوار:
بدايةً، من هو حاتم القاضي؟ وكيف بدأت الرحلة مع Diamond؟
الرحلة لم تكن سهلة على الإطلاق، لكنها كانت ممتعة ومليئة بالتعلم. بدأت Diamond قبل نحو خمسة عشر عامًا، في لحظة كان القرار فيها صعبًا بين الاستمرار في الوظيفة أو خوض تجربة العمل الحر. منذ تخرجي كنت أدرك أن طريقي هو ريادة الأعمال، لكن السؤال كان دائمًا: متى تبدأ الفرصة؟ عملت عدة سنوات كمبرمج في الإمارات، ثم مهندس برمجيات في شركة عالمية مثل أوراكل، وتعلمت الكثير، لكن فكرة المشروع الخاص لم تغب عن ذهني. حين اكتمل الاستعداد النفسي والمهني للمخاطرة، اتخذت القرار وبدأت العمل كمستقل في مجال التحليلات، دون مشاريع جاهزة أو ضمانات، فقط قناعة بأن الفرصة لا تأتي أحيانًا بل تُصنع.
لماذا اخترتم مجال التحليلات والاستشارات الذكية تحديدًا؟
لأن السوق كان يحتاجه فعليًا. لا يمكن لأي عمل أن ينجح إذا لم يكن السوق نفسه بحاجة إلى ما تقدمه. حين بدأنا، لاحظنا أن التحليلات موجودة كأدوات، لكن غائبة كقيمة حقيقية لمتخذ القرار. كانت هناك فجوة واضحة بين التكنولوجيا من جهة، والإدارة العليا من جهة أخرى. المدير التنفيذي لا يريد تقارير معقدة، بل يريد فهمًا واضحًا لما يجب فعله وما يجب تجنبه. من هنا جاءت فلسفة Diamond، وهي سد هذه الفجوة وتحويل التحليلات إلى لغة أعمال.
كيف تطورت Diamond إقليميًا؟
البداية كانت من أوروبا، ثم أدركنا أن الشرق الأوسط سوق صاعد ويحتاج بشدة إلى هذا النوع من الحلول. عدنا إلى مصر، ثم توسعنا إلى السعودية والإمارات، واستهدفنا جهات حكومية ومؤسسات كبرى تمتلك بيانات ضخمة تراكمت على مدار سنوات. النجاح لم يكن سريعًا، لكنه كان مبنيًا على الثقة والإخلاص في العمل، وهما عنصران أساسيان في أي شراكة طويلة الأمد.
من هنا نصل إلى منصة ذكاء THAKAA… لماذا ظهرت؟
ذكاء هي نتيجة طبيعية لرحلة Diamond. بعد أكثر من عشرين عامًا من الخبرة العملية، أدركنا أن الأدوات العالمية، رغم قوتها، لا تلبي بالكامل احتياجات متخذ القرار في منطقتنا. لم يكن ممكنًا تعديل هذه المنتجات بالشكل الذي نريده، فكان الحل هو بناء منصة جديدة من الصفر. ذكاء هي شركة تابعة لـ Diamond، لكنها كيان مستقل، هدفه تقديم ذكاء قرار عربي، يفهم اللغة والمصطلحات والسياق الثقافي والتشريعي للمنطقة.
ما الفارق الجوهري بين ذكاء وأدوات الذكاء الاصطناعي العامة؟
الفارق أن ذكاء لا تقدم بيانات فقط، بل تقدم توصيات قابلة للتنفيذ. نحن ننتقل من مرحلة “المعلومة” إلى “القرار”. النظام لا يكتفي بعرض الأرقام، بل يشير إلى الخلل، ويقترح سيناريوهات، ويحدد دقة كل توصية. القرار النهائي يظل بيد الإنسان، لكن الذكاء الاصطناعي يصبح شريكًا واعيًا في عملية اتخاذ القرار.
وكيف يخدم ذكاء الإدارة العليا تحديدًا؟
الإدارة العليا تفكر بالمستقبل والسيناريوهات. هل أفتح مصنعًا جديدًا؟ هل أُغلق خط إنتاج؟ ماذا يحدث لو ارتفعت التكاليف أو تغيرت الأسعار؟ هذه الأسئلة لا تُجاب بالتحليل التقليدي. ذكاء تجمع بين البيانات التاريخية والرؤية المستقبلية، وتتيح لمتخذ القرار أن يسأل النظام مباشرة ويحصل على إجابة فورية مبنية على نماذج دقيقة.
هل يشترط توفر بيانات طويلة المدى لتحقيق هذه الدقة؟
كلما زادت جودة البيانات وطول فترتها، زادت دقة القرار، لكن البداية يمكن أن تكون من ثلاث أو أربع سنوات. التحدي الأكبر في منطقتنا هو توحيد البيانات وجودتها، وهذا ما نعمل عليه مع المؤسسات، لأن القرار السليم لا يُبنى على بيانات مجزأة.
ذكاء منصة عربية، فهل هي موجهة فقط للمنطقة؟
على العكس، طموحنا عالمي. نحن نركز على المنطقة العربية لأنها نقطة الانطلاق الطبيعية، لكن ذكاء موجودة اليوم في مصر والسعودية والإمارات، وكذلك في كينيا وجنوب أفريقيا والصين والولايات المتحدة. المنتج قادر على التوسع عالميًا، مع الحفاظ على هويته الأساسية.
ماذا عن أمن البيانات؟
هذا ملف لا نقبل فيه أي تهاون. ذكاء معتمدة بمعايير الأيزو، ويمكن تشغيلها داخل المؤسسة نفسها أو عبر السحابة وفق أعلى معايير الأمان العالمية. نحن نعمل مع جهات تمتلك بيانات حساسة، والحماية هنا ليست خيارًا بل ضرورة.
بالانتقال إلى المستقبل… كيف ترى علاقة ذكاء بالروبوتات والأنظمة الذكية؟
نحن نقترب من مرحلة جديدة. خلال عشر سنوات تقريبًا، سنرى أنظمة ذكية وربما روبوتات تدير غرف التحكم، تقدم ملخصات وتحليلات فورية. لكنها لن تتخذ القرار بدل الإنسان، بل ستدعمه. التحدي الحقيقي هو دمج الروبوت مع البرمجيات بشكل واعٍ، وهذا ما نعمل عليه في ذكاء.
هناك مخاوف أخلاقية حقيقية من الذكاء الاصطناعي، كيف تراها؟
الذكاء الاصطناعي أداة قوية، وقد يكون خطرًا إذا لم يُدار بتشريعات واضحة. نحن بحاجة إلى حوكمة صارمة تمنع إساءة الاستخدام، خصوصًا في مجالات الوعي العام والصحة والأمن. الوصول إلى ما يسمى بالذكاء الخارق دون ضوابط قد يكون كارثيًا، ولذلك لا بد من توازن دائم بين الابتكار والمسؤولية.
أخيرًا، ما نصيحتك للمؤسسات والأفراد؟
من لم يبدأ بعد، عليه أن يبدأ فورًا. المستقبل لن ينتظر المترددين. لكن البداية يجب أن تكون واعية، ببيانات منظمة، ومسؤوليات واضحة، وحوكمة حقيقية. الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية، بل أداة بقاء في عالم سريع التغير.
تجربة Diamond ومنصة ذكاء THAKAA تعكس نموذجًا عربيًا مختلفًا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، نموذج لا ينحاز للتقنية على حساب الإنسان، بل يضع القرار في قلب المعادلة. وبين رؤية حاتم القاضي وواقع المؤسسات، تتشكل ملامح مستقبل جديد، يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكًا استراتيجيًا، لا بديلًا عن العقل البشري، في رحلة التحول الرقمي وصناعة القرار الرشيد.










