بقلم: الدكتور حسام رضا الجمل – الرئيس السابق لمركز المعلومات ودعم القرار بمجلس الوزراء المصري
هذه السلسلة ليست محاكمة ولا قصيدة مديح. ما تجده هنا محاولة للقراءة بعيون مفتوحة — بالأرقام حين تتوفر، وبالتحليل حين تغيب، وبالسؤال دائماً حين يُسكَت عنه. نقطة البداية الأساسية هي افتراض حسن النية في خطوات الدولة المصرية، ليس ساذجاً بل منهجياً؛ لأن النقد العادل يبدأ من فهم المنطق الداخلي للقرار قبل رفضه.
ما نحاول الإجابة عنه هو سؤال واحد: أين نجح هذا المنطق، وأين أنتج ما لم يُرَد؟
أولاً: مصر في لحظة مفصلية بين الاستقرار والإصلاح
ثمة لحظات في تاريخ الدول تتكثف فيها عقود من التراكم وتطفو على السطح دفعةً واحدة. مصر تعيش إحدى هذه اللحظات في 2025 — لحظة مفصلية بلا حدث صاعق، لا حرب ولا ثورة، بل تراكم هادئ ومتواصل وصل حد نقطة الانعطاف. دولة بمئة وخمسة ملايين نسمة تجد نفسها بين مطرقتين: استقرار يبدو أحياناً كالجمود، وإصلاح تتكرر وعوده دون اكتمال آثاره.
ثانياً: ماذا تقول لغة الأرقام عن الاقتصاد المصري؟
سجّل الاقتصاد المصري نمواً بلغ 4.4% في السنة المالية 2024/25، مدفوعاً بالسياحة وتحويلات المصريين بالخارج. ورغم تراجع التضخم إلى نحو 12% نتيجة سياسة نقدية انضباطية، إلا أن عجز الميزانية تجاوز 10% من الناتج المحلي، ومدفوعات الفوائد ابتلعت 87% من الإيرادات الضريبية.
على الجانب الاجتماعي، تراجعت نسبة الفقر من 32.5% إلى 29.7% لأول مرة منذ عقود. ومع ذلك، يبرز تناقض حاد؛ حيث يهيمن أثرى 10% على ثلثي الثروة الوطنية، بينما لا يمتلك أفقر النصف سوى 4.2% منها. «مصر تنمو ومصر في الوقت نفسه تنتج فقرًا متركزًا».
ثالثاً: هل تملك الدولة رؤية استراتيجية حقيقية؟
مصر تملك —على الورق— رؤية 2030، وفي سبتمبر 2025 أصدرت الحكومة «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية» في أكثر من 500 صفحة. ورغم أنها تبدو كإعادة تغليف لمقاربات صندوق النقد الدولي، إلا أنها فتحت نافذة تشاور عام لأول مرة. ومع ذلك، فإن تعثر تنفيذ ست وثائق إصلاح منذ 2018 يشير إلى وجود عقبات بنيوية تحول دون تحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
رابعاً: أين أثبتت الدولة قدرتها على الطفرة؟
الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن القدرة على الطفرة ظهرت في ميدانين: البنية التحتية، وإدارة الأزمات.
1. طفرة البنية التحتية المادية
آلاف الكيلومترات من الطرق، توسعة قناة السويس، ومحطات الطاقة التي أنهت الانقطاعات المزمنة. لكن يظل التساؤل حول الأولويات؛ حيث تجاوزت تكلفة العاصمة الإدارية 58 مليار دولار في وقت يعيش فيه ثلث المصريين تحت خط الفقر.
2. إدارة الأزمات: مبادرات “حياة كريمة” و”100 مليون صحة”
حياة كريمة: خُصصت لها 58 مليار جنيه لتطوير أكثر من 4,000 قرية، وهي إنجاز اجتماعي حقيقي يوفر “الرعاية” لا “التمكين”.
100 مليون صحة: فحصت أكثر من 50 مليون مواطن بنجاح تنظيمي مذهل، لكنها لم تتحول بعد إلى منظومة صحية عامة مستدامة.
الملف الإقليمي: أثبتت الدولة حضوراً دبلوماسياً لافتاً في الوساطة بين غزة وإسرائيل وإدارة معبر رفح.
خلاصة القول: الدولة تنجح حين تتوفر الإرادة السياسية والتمويل والتسلسل القيادي المباشر.
خامساً: أين وقع القصور؟ — تحرير الاقتصاد وتمكين المجتمع
لماذا لم تنتقل هذه القدرة التنفيذية إلى المجالات الأشد تأثيراً في حياة المواطن؟
أ — إخفاق تحرير الاقتصاد الهيكلي
يعتمد الاقتصاد المصري على موارد ريعية (قناة السويس، السياحة، الطاقة) شديدة التأثر بالصدمات. وقد كشف تراجع إيرادات القناة بـ 6 مليارات دولار في 2024 بسبب توترات البحر الأحمر عن هذه الهشاشة. كما أن الحضور الاقتصادي لمؤسسات الدولة يضيق المساحة أمام القطاع الخاص، حيث لا تتجاوز نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي 12.2%.
ب — إصلاح التعليم: المسافة لا تزال شاسعة
رغم التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية لتصل إلى 70 مدرسة في 2024، إلا أن الفجوة كبيرة؛ حيث يخرج السوق 650 ألف خريج سنوياً، وأقل من 50% منهم يجدون وظائف فور التخرج. غياب معيار “نسبة التوظيف” للمحاسبة يجعل المنظومة تنتج خريجين دون ضمان جودة.
ج — البيئة الاستثمارية وتكلفة التأخر
تضم مصر 2.5 مليون شركة صغيرة ومتوسطة، لكن 78% منها لا تحصل على تسهيلات مصرفية. رفع الفائدة إلى 27% خلق بيئة تعاقب المستثمر الصغير، وبلغ معدل خروج الأعمال 10%، وهو من الأعلى عالمياً.
د — مشتريات الحكومة: الورقة غير المستغلة
الحكومة هي أكبر مشترٍ في الاقتصاد، ومع ذلك يذهب جزء كبير من مشترياتها لموردين أجانب. تفعيل سياسة «تفضيل المنتج الوطني» وربطها بمعايير جودة وخارطة تصديرية هو الضلع المفقود في التنمية.
سادساً: أزمة الخطاب العام — لغة الأمس في مواجهة تحديات اليوم
ثمة مفارقة: دولة تنجح في مشاريع ضخمة وتفشل في إقناع مواطنيها. يعتمد الخطاب الرسمي على:
العاطفة القومية: التي أصيبت بالتآكل مع الاستخدام اليومي.
سرد الأزمة كمبرر: مما يلغي إمكانية المساءلة.
الإرث التاريخي: الذي يتحول أحياناً إلى عبء لا وقود للمستقبل.
التأخر في استخدام أدوات العصر وتجاهل المحتوى الرقمي التفاعلي خلق فراغاً تملأه سرديات بديلة. علاوة على ذلك، فإن غياب النقد المنظم يحرم الدولة من “المرآة” التي تظهر العيوب قبل فوات الأوان.
سابعاً: كيف ترى الدولة هذا النقد؟
تتعامل الدولة مع النقد من زوايا “الإنجاز المقابل” أو “التوقيت الخاطئ”. ورغم الانفتاح الحذر، إلا أن الدولة لا تزال ترجئ الإصلاحات الهيكلية حين تتعارض مع توازناتها الداخلية.
ثامناً: دروس من تجارب دولية (فيتنام وإندونيسيا)
فيتنام: تفوقت بتوجيه التعليم نحو سوق العمل التقني وخلق بيئة استثمارية مستقرة.
إندونيسيا: أثبتت أن الحجم السكاني ليس عائقاً بل قوة إذا استثمرنا في رأس المال البشري.
الدروس المستفادة: الإنسان قبل الأسمنت، والثقة المؤسسية قبل الأوامر الرأسية.
تاسعاً: المفارقة الهيكلية ومستقبل الدولة المصرية
الإصلاح الذي تحتاجه مصر هو نفسه الذي يهدد التوازنات الحالية. تحرير الاقتصاد يعني تقليص دور المؤسسات الكبرى، وتمكين المجتمع يعني قبول المعارضة. هذه معضلة كل دولة في مرحلة انتقالية، لكن ضيق الهامش الزمني يجعلها حالة مصرية حادة.
هل نحن أمام مسار للتعافي الهيكلي، أم مجرد إدارة متطورة للأزمة؟ الإجابة ستحدد طاقة مصر في العقد القادم.










