أمريكا: في وقت يشهد العالم اضطرابات اقتصادية متصاعدة من ارتفاع في مستويات الدَّين، وتباطؤ في النمو، وزيادة في تأثيرات المناخ، تتجه الأنظار إلى موقف الولايات المتحدة من المؤسسات المالية الدولية التي كانت حجر الزاوية في النظام العالمي لما يقرب من ثمانية عقود. ما إذا كانت واشنطن ستواصل قيادة هذا النظام — أو تهجره — قد يحدد شكل الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة.
هل يقضي ترامب على نظام بريتون وودز؟
في مقالتها الأخيرة، تستعرض الصحفية الأميركية Kate Aronoff مستقبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ظل إدارة ترامب الثانية.
وأشارت إلى أن مشروع “2025 Project”، الذي تتبناه الإدارة الأمريكية، يتضمن انسحابًا أميركيًا محتملاً من المؤسستين، بحجة أنهما تتبنيان سياسات معادية “للسوق الحرة والمبادئ الأميركية”.
وقد تغير خطاب القائمين على المؤسستين فعليًا؛ ففي اجتماعات ربيع هذا العام، تجنّب قادة صندوق النقد والبنك الدولي التطرق إلى أزمة المناخ، في انعكاس واضح لضغط إدارة ترامب.
التقرير يشير أيضًا إلى نتائج سلبية لهذه السياسة على الدول النامية، حيث يتم توجيه الموارد نحو سداد الديون بدلاً من تمويل التكيف المناخي.
كما استعرضت Aronoff بدائل محتملة لنظام بريتون وودز، خصوصًا صعود البنوك التنموية الإقليمية التي قد تلعب دورًا أكثر توازنًا في قيادة المرحلة القادمة.
دور الولايات المتحدة: من قيادة النظام إلى تهديد وجوده
تاريخيًا، كانت أميركا القوة المحركة لمؤسسات “بريتون وودز” منذ 1944. لكنها اليوم تبدو في وضع متأرجح بين الانسحاب أو الاستمرار بشروط جديدة تفرضها رؤى قومية مناهضة للتعددية.
ويشير مراقبون إلى أن مجرد الحديث عن الانسحاب قد يخلق حالة من اللايقين العالمي تعرقل قدرة هذه المؤسسات على أداء مهامها.
وتحذّر تقارير من أن الدول الأكثر هشاشة اقتصاديًا ومناخيًا، ستتضرر بشكل مباشر إذا تقلص التمويل الدولي، خاصة في وقت يتجاوز فيه الإنفاق على خدمة الدين التمويل المناخي المتاح.
هل تنجح البنوك الإقليمية في ملء الفراغ؟
تشير ورقة بحثية حديثة شارك في إعدادها اقتصاديون أمميون إلى دور متنامٍ لبنوك تنموية إقليمية مثل البنك الآسيوي للتنمية والبنك الأميركي للتنمية.
هذه البنوك، إلى جانب البنوك الوطنية، لا تتحرك بدافع الربح، ما يمنحها فرصة أكبر في تقديم تمويل طويل الأمد لمشاريع البنية التحتية والمناخ.
ويعتبر الباحثون أن “فك الارتباط” مع النموذج الأميركي يفتح الباب أمام نموذج جديد من التعاون المالي الدولي، يقوم على تنمية محلية لا تعتمد على أدوات دين قصيرة الأجل أو شروط تقشفية.
مستقبل النظام المالي العالمي ليس أميركياً فقط
في ضوء هذه التحولات، يبدو أن فكرة وجود نظام مالي عالمي تديره قوة واحدة لم تعد قابلة للاستمرار. إذا ما قررت واشنطن تقليص دورها أو الانسحاب كليًا من المؤسسات المالية متعددة الأطراف، فالعالم بحاجة إلى بدائل أكثر عدلاً وتوازنًا.
بقاء أميركا داخل النظام أو انسحابها، لن يغير فقط وجهة صندوق النقد والبنك الدولي، بل قد يعيد تشكيل مسارات النمو والاستقرار في كل من الشمال والجنوب العالميين.










