مقالات رأي

المستشار أحمد عدلــي يكتب: التكنولوجيا المالية بين حرية الابتكار وحدود الرقابة.. أين تقف مصر؟

بقلم المستشار/ أحمد عدلــي – المستشار القانوني الأسبق  لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة والمؤسس ورئيس مجلس الإدارة العدلي ومشاركوه

في عالم التكنولوجيا المالية، يمكن أن يكون الابتكار أسرع من القانون، لكن المخاطر قد تكون أسرع من كليهما. وهنا تقف الجهات التنظيمية في مصر أمام معادلة صعبة: كيف نمنح الشركات مساحة كافية للابتكار، دون أن يتحول الابتكار إلى بوابة لمخاطر تهدد المستهلك أو الاستقرار المالي؟

هذه المعادلة ليست مصرية فقط؛ فهي واحدة من أكبر التحديات التنظيمية التي تواجه الأسواق المالية حول العالم. لكن بالنسبة لمصر، فإن السؤال يكتسب أهمية خاصة مع التوسع السريع في المدفوعات الرقمية، والخدمات المالية الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية في القطاع المصرفي وغير المصرفي.

الرقابة ليست عدوًا للابتكار

هناك تصور شائع بأن التنظيم والرقابة يقفان في الجهة المقابلة للابتكار. لكن التجربة العملية للأسواق المالية تقول شيئًا مختلفًا: الابتكار يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى تنظيم. فالمستخدم لن يضع أمواله في منصة رقمية لا يعرف من يرخصها أو يراقبها، وكذلك المستثمر لن يضخ أمواله في شركة لا يعرف الإطار القانوني الذي تعمل داخله. ومن هنا، فإن التنظيم الجيد لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام الابتكار، بل يمكن أن يصبح أحد أهم شروط استدامته.

أين تقف مصر تشريعيًا؟

بنت مصر خلال السنوات الأخيرة منظومة قانونية أكثر وضوحًا للتكنولوجيا المالية. ويمثل القانون رقم 194 لسنة 2020 بإصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي إطارًا أساسيًا للقطاع المصرفي، بينما يوفر القانون رقم 5 لسنة 2022 إطارًا لاستخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية، في نطاق اختصاص الهيئة العامة للرقابة المالية.

وهذا التطور مهم لأنه ينقل التكنولوجيا المالية من منطقة الابتكار غير المنظم إلى الابتكار المسؤول. لكن وجود الإطار التشريعي لا يعني أن المهمة انتهت.

الترخيص أم التجربة؟

الشركات الناشئة تحتاج إلى سرعة، والجهات الرقابية تحتاج إلى التحقق. وهنا تظهر أهمية الأدوات التنظيمية الحديثة، ومنها Regulatory Sandbox، التي تسمح باختبار نماذج أو حلول مبتكرة في بيئة محددة وتحت إشراف الجهة التنظيمية المختصة، قبل الانتقال إلى نطاق أوسع.

هذه الأدوات لا تعني إعفاء الشركات من القانون، وإنما توفر مساحة منظمة لاختبار الابتكار والمخاطر معًا.

التنظيم القائم على المخاطر

قد يكون من غير المنطقي إخضاع شركة ناشئة تقدم خدمة محدودة للمخاطر ذاتها التي تواجهها مؤسسة مالية ضخمة. ولهذا، يمثل Risk-Based Regulation  أحد الحلول المهمة.

فكلما ارتفعت المخاطر، ارتفعت المتطلبات الرقابية. وكلما انخفضت المخاطر، أمكن أن تكون القواعد أكثر مرونة، دون الإخلال بالضمانات الأساسية. هذا النموذج يمكن أن يساعد على تحقيق توازن أفضل بين سرعة الابتكار وحماية السوق.

حماية المستخدم!

هنا يجب أن تتوقف حرية الابتكار عند حدود واضحة، فالابتكار لا ينبغي أن يكون مبررًا:

  • لجمع بيانات أكثر مما يلزم.
  • لإخفاء الشروط التعاقدية.
  • لتصميم منتجات يصعب على المستخدم فهم مخاطرها.
  • أو لنقل المسؤولية بالكامل إلى العميل.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع ارتباط التكنولوجيا المالية بالبيانات الشخصية، في ظل قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، إلى جانب القواعد الخاصة بكل نشاط مالي.

قواعد اللعبة

التحدي المقبل قد لا يكون في التكنولوجيا المالية التقليدية، بل في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الخدمات المالية.

إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على:

  • تقييم الجدارة الائتمانية.
  • اكتشاف الاحتيال.
  • تقديم توصيات استثمارية.
  • تخصيص المنتجات المالية.

فإن الأسئلة القانونية ستصبح أكثر تعقيدًا: من يفسر القرار الذي اتخذته الخوارزمية؟، ومن يتحمل المسؤولية عن الخطأ؟، وهل يحق للعميل الاعتراض على قرار آلي؟.. هذه الأسئلة تتطلب من المنظم أن يفكر مبكرًا، لا بعد انتشار التقنية.

المنافسة جزء من المعادلة

الرقابة لا تقتصر على حماية المستخدم والاستقرار المالي. هناك بعد آخر لا يقل أهمية: المنافسة.

فإذا أصبحت القواعد التنظيمية مرتفعة التكلفة بصورة غير متناسبة، فقد تتحول من وسيلة لحماية السوق إلى حاجز أمام دخول الشركات الناشئة. وفي المقابل، فإن التساهل المفرط قد يمنح نماذج أعمال غير ناضجة فرصة للنمو على حساب المستخدمين والمنافسين الملتزمين. ولهذا، فإن أفضل تنظيم هو التنظيم الذي يحقق تكافؤ الفرص دون تسوية الفوارق في مستوى المخاطر.

إلى أين تتجه مصر؟

في تقديري، المرحلة المقبلة تحتاج إلى أربعة مسارات متوازية:

أولًا: تنظيم أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة للتطورات التقنية.

ثانيًا: تعزيز أدوات الاختبار التنظيمي للابتكارات الجديدة.

ثالثًا: تطوير قواعد واضحة للمسؤولية وحماية المستخدم والبيانات.

رابعًا: استمرار التنسيق المؤسسي بين الجهات التنظيمية بما يحد من ازدواجية المتطلبات ويعزز وضوح البيئة القانونية.

فالهدف ليس الوصول إلى سوق بلا رقابة، ولا إلى سوق تخشى الابتكار، الهدف هو الوصول إلى سوق تثق في الابتكار لأنها تعرف أن وراءه إطارًا قانونيًا قادرًا على إدارة مخاطره.

الرقابة الذكية

السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى مزيد من الرقابة أم مزيد من الحرية؟، بل: كيف نصمم رقابة ذكية تسمح بحرية الابتكار؟

مصر قطعت خطوات مهمة في بناء الإطار القانوني للتكنولوجيا المالية، لكن المرحلة القادمة ستكون اختبارًا لقدرة المنظومة التنظيمية على التعامل مع نماذج أعمال تتغير بسرعة أكبر من القواعد التقليدية.

وفي هذا السباق، لن تكون الأفضلية بالضرورة للدولة التي تضع أكبر عدد من القواعد، وإنما للدولة التي تستطيع بناء قواعد واضحة، مرنة، متناسبة مع المخاطر، وقابلة للتطور.

فالابتكار بلا رقابة قد يهدم الثقة، والرقابة بلا مرونة قد تقتل الابتكار؛ أما التنظيم الذكي، فيمكن أن يجعل منهما شريكين في بناء سوق مالية أكثر تنافسية واستدامة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى