يواجه تطبيق جيميناي من غوغل تحديًا جديدًا لا يرتبط بقدرات الذكاء الاصطناعي التي يقدمها، وإنما بطريقة تنظيم هذه القدرات وعرضها أمام المستخدمين.
فمع استمرار الشركة في إضافة أدوات ووظائف جديدة إلى التطبيق، أصبحت تجربة الاستخدام أكثر ازدحامًا، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات تجعل جيميناي أكثر فائدة أم أكثر تعقيدًا.
وتأتي هذه المعضلة بالتزامن مع إعلان غوغل عن ميزات صوتية جديدة لخدمة Gemini Live، في محاولة لتوسيع نطاق المهام التي يستطيع المساعد الذكي تنفيذها من خلال الأوامر الصوتية.
ورغم أن الهدف المعلن هو تسهيل التعامل مع جيميناي، فإن تعدد الأدوات والأسماء داخل التطبيق قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة، إذ أصبح المستخدم أمام مجموعة من الوظائف التي تحمل أسماء وواجهات منفصلة، مثل Spark وDaily Brief، إلى جانب تجربة المحادثة التقليدية.
تعدد أدوات جيميناي يثير مشكلة جديدة
تريد غوغل أن يصبح جيميناي مساعدًا قادرًا على التعامل مع مجموعة كبيرة من المهام، وليس مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة. ولذلك تعمل الشركة على تطوير قدراته وربطه بخدماتها المختلفة.
لكن المشكلة تظهر عندما يحتاج المستخدم إلى معرفة الأداة المناسبة قبل تنفيذ طلبه.
فداخل تطبيق جيميناي يمكن الانتقال بين الدردشة وSpark وDaily Brief، ولكل ميزة منها موقع وأيقونة وطريقة استخدام مختلفة.
وهذا يعني أن المستخدم قد يجد نفسه مضطرًا إلى فهم هذه التقسيمات بدلًا من الاكتفاء بإخبار المساعد بما يريد.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالذكاء الاصطناعي يفترض أن يقلل التعقيد عن المستخدم، وليس أن يجعله يفكر في البنية الداخلية للخدمة أو يختار بين مجموعة من الأدوات لتنفيذ مهمة واحدة.
Daily Brief.. مساعد شخصي قد يتحول إلى مصدر إزعاج
تعد Daily Brief واحدة من الميزات التي أضافتها غوغل إلى تجربة جيميناي، وهي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم تحديثات شخصية للمستخدم بالاستناد إلى بيانات موجودة في خدمات غوغل، ومنها Gmail وCalendar.
ومن حيث الفكرة، يمكن أن تكون الخدمة مفيدة في متابعة جدول الأعمال والتنبيهات والمعلومات التي يحتاج إليها المستخدم خلال يومه.
لكن التحدي يكمن في قدرة النظام على تحديد ما هو مهم بالفعل.
فليس كل نشاط سابق للمستخدم يستحق أن يظهر مجددًا على شكل تنبيه أو تذكير.
وقد تصبح إعادة عرض عمليات بحث قديمة أو تذكير المستخدم بمحادثة أو مهمة بدأها سابقًا تجربة غير ضرورية.
على سبيل المثال، إذا بحث شخص عن منحة دراسية أو جهة لإنقاذ الحيوانات، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يريد أن يظهر له هذا الموضوع مرة أخرى بعد فترة.
وهذا يفتح أيضًا بابًا للنقاش حول الخصوصية، خصوصًا مع اعتماد المساعد على بيانات المستخدم ونشاطه السابق لتقديم تجربة أكثر تخصيصًا.
Spark.. أداة قوية ولكن هل تحتاج إلى اسم مستقل؟
أما Spark، فتقدم جانبًا مختلفًا من تجربة جيميناي، إذ ترتبط بقدرات يستطيع من خلالها الذكاء الاصطناعي تنفيذ إجراءات ومهام نيابة عن المستخدم، بدلًا من الاكتفاء بتقديم إجابة على السؤال.
وتعتبر هذه الإمكانات من أبرز الاتجاهات التي تتوسع فيها خدمات الذكاء الاصطناعي حاليًا، مع انتقال المساعدات الذكية تدريجيًا من مرحلة تقديم المعلومات إلى مرحلة تنفيذ المهام.
لكن المشكلة، وفق هذا الطرح، ليست في قدرات Spark نفسها، وإنما في تقديمها كعلامة تجارية مستقلة داخل التطبيق.
فالمستخدم العادي لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة أن المهمة التي طلبها يتم تنفيذها عبر Spark، أو أن هناك وضعًا معينًا مخصصًا لها.
والأفضل أن يتولى جيميناي تحديد الطريقة المناسبة لتنفيذ الطلب تلقائيًا.
بمعنى آخر، بدلًا من أن يسأل المستخدم نفسه: أي ميزة أحتاج إليها؟ يفترض أن يفهم جيميناي المطلوب ويختار الأداة المناسبة من تلقاء نفسه.
جيميناي ليس الوحيد في أزمة التعقيد
ولا تقتصر هذه المشكلة على جيميناي وحده، إذ تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي بشكل عام تحديًا يتعلق بكيفية تقديم التقنيات المتطورة للمستخدم العادي.
وتظهر المشكلة أيضًا في خدمات منافسة، حيث أصبح المستخدم يواجه أوضاعًا وتجارب متعددة لتنفيذ أنواع مختلفة من المهام.
ويبرز مثال Claude من Anthropic، الذي يضم تجارب مختلفة للمحادثة وتنفيذ المهام، بينما يواجه ChatGPT أيضًا تقسيمات مختلفة بين استخدامات المحادثة والعمل.
وقد تكون هذه التقسيمات منطقية من وجهة نظر المطورين والمهندسين، لكنها لا تكون بالضرورة واضحة بالنسبة إلى المستخدم الذي يريد إنجاز مهمة بسرعة.
فالمستخدم لا يهتم غالبًا بما إذا كان الطلب يحتاج إلى نموذج معين أو وضع معين أو وكيل ذكي. ما يهمه في النهاية هو الحصول على النتيجة المطلوبة.
لماذا قد تنجح طريقة أبل مع Siri؟
في المقابل، تقدم أبل نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، يقوم بدرجة أكبر على دمج القدرات الجديدة داخل التطبيقات والخدمات التي اعتاد المستخدمون عليها.
وبدلًا من مطالبة المستخدم بتعلم واجهة جديدة أو البحث عن ميزة منفصلة، يمكن إدخال الذكاء الاصطناعي في أدوات مثل البحث والصور والكاميرا والأوامر الصوتية من خلال Siri.
وتقوم الفكرة على جعل التكنولوجيا أكثر ذكاءً دون تغيير الطريقة الأساسية التي يتعامل بها المستخدم مع جهازه.
وهذا الأسلوب قد يكون أكثر سهولة بالنسبة للجمهور.. لأن المستخدم لا يحتاج إلى حفظ أسماء متعددة أو معرفة أي أداة يستخدمها في كل موقف.
هل تصبح الرسائل النصية مستقبل التعامل مع الذكاء الاصطناعي؟
هناك اتجاه آخر يلفت الانتباه في سوق المساعدات الذكية.. وهو الاعتماد على الرسائل النصية كواجهة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي.
ويقوم هذا النموذج على فكرة بسيطة: يرسل المستخدم رسالة يشرح فيها ما يريد، ثم يتولى المساعد فهم الطلب وتنفيذ الإجراءات المطلوبة.
وتتميز هذه الطريقة بأنها لا تفرض على المستخدم تعلم مجموعة جديدة من الأزرار أو الأوضاع.
فالمراسلة أصبحت طريقة مألوفة للتواصل، وبالتالي يمكن أن تصبح واجهة طبيعية للتعامل مع المساعدات الذكية.
ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أن المستخدم لا يريد فتح تطبيق جديد كلما احتاج إلى مساعدة، وإنما يريد وسيلة مباشرة يمكنه من خلالها إرسال طلبه والحصول على النتيجة.
هل تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى تقليل التعقيد؟
تكشف تجربة جيميناي أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد مرتبطة فقط بمن يمتلك النموذج الأقوى أو أكبر عدد من الميزات.
فطريقة تقديم هذه الإمكانات أصبحت عنصرًا مهمًا في نجاح أي خدمة.
وكلما زادت الأدوات والأسماء والأوضاع داخل التطبيق، زادت احتمالية شعور المستخدم بالحيرة.. خصوصًا إذا كان غير متخصص في التكنولوجيا.
لذلك قد يكون التحدي القادم أمام غوغل ومنافسيها هو الوصول إلى تجربة تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر بساطة.. بحيث يحدد المستخدم ما يريد فقط، بينما يتولى النظام اختيار الأدوات المناسبة لتنفيذ الطلب.
وفي حالة جيميناي، قد لا تكون المشكلة في نقص الإمكانات.. بل في أن هذه الإمكانات أصبحت ظاهرة للمستخدم أكثر مما ينبغي.
فالمستخدم في النهاية لا يريد معرفة ما يحدث خلف الكواليس.. وإنما يريد مساعدًا يفهم طلبه وينفذه بأقل عدد ممكن من الخطوات.










