الأخبارمقالات الرأي

د. محمد علي يكتب.. الأزمة العالمية بين القوة التقليدية والقوة التقنية

بقلم: د. محمد علي – استشاري التحول الرقمي والأمن السيبراني

 

كلنا نؤمن بأننا أصبحنا في عالم لم يعد ينتظر أحداً، ونرى أن خريطة القوة الدولية تتغير بهدوء لكن بعمق؛ فلم تعد الصراعات كما كانت في السابق تُخاض فقط فوق الأرض أو في السماء، بل انتقلت إلى ميادين حرب غير مرئية تتمثل في مخابئ للشبكات والبيانات والخوارزميات، وسلاسل إمداد حيث أصبحت تتحكم في نتائج تلك المعارك الخفية التكنولوجيا أكثر مما تتحكم فيها قوة الجيوش التقليدية.

​لحظة فاصلة بين عصرين: التقليدي والتقني

​كلنا نلاحظ التوترات الدولية التي باتت تتابع بشكل مستمر، فما يحدث اليوم على الساحة العالمية ليس أزمة عابرة بل لحظة فاصلة بين عصرين وهما عصر القوة التقليدية والقوة الغاشمة وعصر القوة التقنية.

​حين اندلعت الأزمة المرتبطة بالنفط الفنزويلي، بدا المشهد في ظاهره أنه تم بسبب ضغوط سياسية وقوة عسكرية واستغلال الأدوات الاقتصادية في محاولات للسيطرة على الموارد، لكن ما جرى خلف الكواليس كشف عن شيء أخطر وأعمق وخصوصاً في ردود بعض الدول على انعكاس تلك القرارات على الساحة العالمية، فبعض الدول لم ترد بالتصعيد العسكري بل اختارت الرد من خلال التكنولوجيا والاقتصاد الذكي وإعادة هندسة النفوذ العالمي.

​الصين والقوة التقنية الهادئة

​الصين على سبيل المثال لم تدخل في مواجهة مباشرة، لكنها تحركت بخطوات عملية ومدروسة، حيث قامت بما يسمى انقلاباً ناعماً على الدولار من خلال احتياطيات الذهب السيادية، فجاءت ردودها بالغة الأثر حيث قامت بتجميد تعاملاتها بالدولار مع شركات دفاع أميركية كبرى، وأعادت توجيه صادرات النفط الفنزويلي بعيداً عن السوق الأميركية، في خطوة واحدة انعكست فوراً على أسعار الطاقة على المستوى العالمي.

​كما قامت أيضاً في خطوة تالية باستثمار قوتها من خلال العدد الهائل من السفن التجارية المنتشرة بكافة الموانئ العالمية بإعطاء أوامرها بتجنب الموانئ الأمريكية حيث قامت بسحب سفنها من موانئ أميركية رئيسية، ما أدى إلى ارتباك ملحوظ في سلاسل الإمداد لشركات عالمية عملاقة.

​نظام مدفوعات بديل وسلاسل الإمداد

​كما قامت أيضاً بالدفع بنظام مدفوعات بديل عن التعامل بالعملة الدولارية، ما جذب عشرات الدول في وقت قياسي من خلال التلويح ببعض المميزات الاقتصادية حال التعامل بهذا النظام النقدي، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً كان يعد من المحرمات: هل ما زال النظام المالي العالمي بلا بديل؟

​الأخطر من ذلك، أن القيود التي قامت بفرضها على تصدير المعادن النادرة بصفتها أكبر مصدر لتلك المعادن المهمة، والتي تعد عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة، كان هذا الأمر بمثابة مناورة كشفت هشاشة قطاعات كاملة تعتمد على مورد واحد أو مسار واحد على مستوى العالم، ورغم أن الرسالة لم تكن صاخبة، لكنها كانت واضحة وتتضمن حقيقة واحدة وهي أن من يملك التكنولوجيا، يملك القدرة على إعادة تشكيل موازين القوة حول العالم دون ضجيج.

​من الحرب إلى إعادة تعريف النفوذ الرقمي

​هذه التحركات لم تقم بإسقاط اقتصاد لكنها كشفت نقاط ضعفه، كما أنها لم تقم بإشعال فتيل الحرب، لكنها أثبتت أن التحالفات الاقتصادية والمبنية على التكنولوجية يمكن أن تقوم بسرعة عندما تتلاقى المصالح التقنية والاقتصادية معاً وتكون الخطة معدة بشكل ذكي بالأدوات الحديثة.

والأهم من ذلك أنها أكدت حقيقة بات من الصعب تجاهلها وهي أن العالم لم يعد أحادي القطب، ولم تعد الهيمنة حكراً على من يملك القوة العسكرية فقط بل من يستثمر في أدوات المستقبل التكنولوجية.

​التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: عمود قوة المستقبل

​هنا، تبرز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بوصفها العمود الفقري لقوة المستقبل، فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة دعم بل أصبح وسيلة استباقية يمكن من خلالها أن تتنبأ بالأزمات، وأن يحلل السيناريوهات ويمنح صانع القرار رؤية شاملة ووقتاً ثميناً قبل انفجار الأزمات.

كما أن الأمن السيبراني لم يعد ملفاً تقنياً فحسب، بل أصبح خط الدفاع الأول عن الاقتصاد والسيادة وسلاسل الإمداد الذكية التي لم تعد رفاهية بل شرطاً أصيلاً للاستمرار.

​رسالة مباشرة إلى عالمنا العربي والتحول الرقمي

​ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الرسالة موجهة بوضوح إلى دولنا العربية، فالمنطقة العربية ليست بعيدة عن هذه التحولات الإقليمية وتلك التوترات، بل تقع في قلبها؛ فنجد الحديث المتصاعد عن احتمالات هجمات جوية أو سيبرانية في الإقليم ليس تهويلاً بل متوقع، فهو انعكاس لطبيعة الصراع الجديد، حيث تختبر فيه الجاهزية قبل أن تبدأ المواجهة الحتمية.

​وسنرى أن الدول التي ستنجح ليست بالضرورة هي الدول الأكثر تسلحاً، بل الأكثر وعياً واستغلالاً ناجحاً في أدوات التكنولوجيا الحديثة وهي الدول الأسرع في التحول، والأقدر على الاستثمار في العقل قبل السلاح.

​الاستعداد لمستقبل الدول القوية

​اللحظة الحالية لا تحتمل التأجيل، فمن يرصد وينتبه الآن لتغير خريطة القوة العالمية، ويستثمر في التكنولوجيا ويبني قدراته الرقمية ويعيد تعريف أمنه القومي ليشمل البيانات والبنية التحتية الذكية، سيكون له مكان أفضل على طاولة المستقبل للدول القوية، أما من يكتفي بالمشاهدة فقد يجد نفسه يوماً خارج اللعبة دون أن يشعر.

​نحن لا نعيش أزمة موارد فقط ولا صراع نفوذ تقليدي، بل نعيش اختباراً عالمياً للوعي حيث يتم التميز فيه بين من يفهم أن المستقبل يتم صناعته اليوم بأيدي من يملك الجاهزية والوعي التكنولوجي. وفي هذا العالم الجديد ستكون التكنولوجيا ليست خياراً… بل مصير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى