الأخبارمجلة وطن رقمي

مصر على خريطة الذكاء الاصطناعي: من الرعاية الرئاسية إلى قيادة التحول الرقمي في المنطقة

قمة AI Everything MEA Egypt في القاهرة تؤكد تحول الدولة إلى مركز إقليمي لصياغة سياسات الذكاء الاصطناعي

 

الدكتور عمرو طلعت:

 

مصر الأولى إفريقيًا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025

 

تقدم 14 مركزًا عالميًا وتصدر محور قدرة السياسات بـ100 نقطة كاملة

 

استهداف رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي إلى 7.7% بحلول 2030

 

إطلاق الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي (2025–2030) بستة محاور رئيسية

 

استضافة قمة AI Everything تعكس ثقة دولية متزايدة في التجربة الرقمية المصرية

 

 

 

 

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال التقنيات الذكية، تبرز مصر كواحدة من الدول التي انتقلت مبكرًا من مرحلة التفاعل مع الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة بناء السياسات وقيادة التوجهات الإقليمية. ويأتي انعقاد قمة ومعرض AI Everything الشرق الأوسط وأفريقيا 2026 بالقاهرة، تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليعكس هذا التحول النوعي ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح محورًا استراتيجيًا في أجندة الدولة التنموية.

 

وأكد الدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن الرعاية الرئاسية للقمة تعكس إدراكًا عميقًا للأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي في دعم النمو الاقتصادي وبناء دولة حديثة قائمة على المعرفة، موضحًا أن مصر لم تعد تكتفي بتبني التكنولوجيا، بل تعمل على تشكيل منظومة وطنية متكاملة تتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والزراعة والخدمات الحكومية.

 

ويعزز هذا التوجه ما حققته مصر من قفزة نوعية في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن مؤسسة Oxford Insights، حيث تصدرت الترتيب الإفريقي، وتقدمت 14 مركزًا عالميًا لتحتل المركز 51 من بين 195 دولة، محققة 57.5 نقطة، مقارنة بالمركز 65 عالميًا في عام 2024. كما جاءت في المرتبة الثالثة عربيًا بعد أن كانت في المركز السابع في العام السابق.

 

وفي تعليقه على هذه النتائج، أكد الدكتور عمرو طلعت أن هذا التقدم يعكس نجاح الجهود التي تبذلها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة المجتمع، من خلال وضع إطار متكامل من السياسات الداعمة للاستخدام المسؤول والفعال لهذه التقنيات، مشيرًا إلى أن مصر نجحت في تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الابتكار وحماية المجتمع.

 

ولم يقتصر التميز المصري على الترتيب العام، بل تصدرت مصر الترتيب العالمي في محور قدرة السياسات (Policy Capacity)، محققة 100 نقطة كاملة، مشاركة مع المملكة المتحدة وصربيا وأستراليا. ويقيس هذا المحور قدرة الحكومات على صياغة وتنفيذ سياسات فعالة للذكاء الاصطناعي، ومدى وضوح الرؤية الوطنية، وتوافر الموارد اللازمة، ومستوى المشاركة في الاتفاقيات الدولية. كما جاءت مصر الأولى عربيًا في محور المرونة (Resilience)، الذي يقيس قدرة الدولة على إدارة المخاطر الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

 

وأوضح وزير الاتصالات أن هذه النتائج ترتبط مباشرة بإطلاق الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025–2030)، والتي ترتكز على ستة محاور رئيسية تشمل الحوكمة، وتطوير التطبيقات، وتعزيز إتاحة وجودة البيانات، وتوفير بنية تحتية متقدمة، وبناء نظام بيئي داعم للابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب تنمية وتوسيع قاعدة المهارات والكفاءات الوطنية. وأضاف أن الدولة تستهدف دعم 250 شركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية متقدمة تستهدف عشرات الآلاف من الكوادر الشابة.

 

وفي بعد فكري أعمق، أشار الدكتور عمرو طلعت، خلال مشاركته في المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل “تكنولوجيا فارقة” قادرة على تغيير أنماط العمل والتعلم والتفاعل، موضحًا أن هذه المنظومة تقوم على ثلاثة عناصر تقنية هي البيانات والخوارزميات والقدرات الحوسبية، إلا أن العنصر الرابع والأهم يظل التوجيه البشري، باعتباره الضامن لاستخدام هذه التقنيات بما يخدم القيم الإنسانية ويحقق التنمية المستدامة.

 

وأضاف الوزير أن التطور السريع من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الذكاء الاصطناعي التوكيلي يعكس أننا ما زلنا في المراحل الأولى من هذه الثورة التقنية، مؤكدًا أن المستقبل القريب سيشهد تحولات أعمق تستدعي استعدادًا تشريعيًا ومجتمعيًا مبكرًا، خاصة مع التغير المتوقع في طبيعة المهارات وسوق العمل.

 

وعلى مستوى التطبيقات، أشار الوزير إلى النجاحات التي حققها مركز الابتكار التطبيقي في تطوير حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي تخدم قطاعات حيوية، من بينها منظومة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، ومنظومة تحويل الصوت إلى نص مكتوب ضمن منظومة التقاضي عن بُعد، بما يعكس قدرة الدولة على تحويل البحث العلمي إلى تطبيقات عملية ذات أثر مباشر.

 

وتتسق هذه الجهود مع ما حققته مصر في مجال الأمن السيبراني، حيث صنفها الاتحاد الدولي للاتصالات ضمن أفضل 12 دولة عالميًا بعد حصولها على 100 نقطة كاملة في مؤشر الأمن السيبراني العالمي، وهو ما يدعم بناء منظومة ذكاء اصطناعي آمنة وموثوقة.

 

وفي هذا الإطار، أكد الدكتور عمرو طلعت أن استضافة مصر لقمة ومعرض AI Everything الشرق الأوسط وأفريقيا تمثل فرصة استراتيجية لتوطيد الشراكات الدولية، وجذب الاستثمارات، وتبادل الخبرات مع كبرى الشركات العالمية، بما يعزز موقع القاهرة كمركز إقليمي لصياغة سياسات الذكاء الاصطناعي واحتضان الابتكار.

 

ويأتي هذا التحول في موقع مصر على خريطة الذكاء الاصطناعي في سياق دولي شديد التنافس، تسعى فيه الدول إلى تأمين مكانها داخل سلاسل القيمة الرقمية العالمية، ليس فقط عبر امتلاك التكنولوجيا، بل من خلال القدرة على حوكمتها وتوجيهها وتطويعها لخدمة التنمية الوطنية. وفي هذا الإطار، شدد الدكتور عمرو طلعت على أن الدولة المصرية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية سيادية وتنموية في آن واحد، تتطلب رؤية طويلة المدى، واستثمارات مستمرة، وتنسيقًا مؤسسيًا عابرًا للقطاعات.

وأوضح الوزير أن ما تحقق من تقدم في المؤشرات الدولية لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار تراكمي بدأ منذ عام 2019، حيث نجحت مصر في التقدم 46 مركزًا عالميًا خلال خمس سنوات فقط في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس نضج السياسات الرقمية وتكاملها مع خطط الإصلاح الإداري والاقتصادي. وأضاف أن هذا التقدم يعزز ثقة المؤسسات الدولية والشركات العالمية في السوق المصري باعتباره بيئة واعدة للاستثمار في الحلول الذكية والتطبيقات المتقدمة.

وفي سياق متصل، أشار الوزير إلى أن الدولة أولت اهتمامًا خاصًا بملف البيانات باعتبارها الوقود الحقيقي لمنظومات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن العمل يجري على إتاحة البيانات الحكومية بشكل منظم وآمن، يوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الخصوصية. وأوضح أن إطلاق سياسة البيانات المفتوحة يمثل خطوة انتقالية مهمة تسبق صدور تشريع متكامل لحوكمة البيانات، بما يضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات، ويخلق مناخًا مواتيًا لتطوير تطبيقات قائمة على البيانات عالية الجودة.

كما أكد الدكتور عمرو طلعت أن العنصر البشري يظل الركيزة الأهم في أي منظومة ذكاء اصطناعي ناجحة، موضحًا أن الوزارة تنفذ برامج واسعة لبناء القدرات الرقمية تستهدف مختلف الفئات العمرية، من طلاب المدارس والجامعات، إلى المتخصصين، وموظفي الجهاز الإداري للدولة. وأضاف أن الهدف ليس فقط إعداد مبرمجين أو مطوري خوارزميات، بل بناء جيل قادر على فهم الذكاء الاصطناعي وتوظيفه بوعي نقدي ومسؤول داخل بيئات العمل المختلفة.

وعلى مستوى سوق العمل، أوضح الوزير أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهام، وليس إلغاء دور الإنسان، مشيرًا إلى أن الدولة تتبنى خطابًا واقعيًا يركز على إعادة تأهيل المهارات بدلًا من التخويف من التكنولوجيا. وأكد أن الوظائف الأعلى قيمة في المستقبل ستكون مرتبطة بالتحليل، والإشراف، واتخاذ القرار، وحوكمة النظم الذكية، وهو ما يستدعي تطوير منظومة التعليم والتدريب بما يتواكب مع هذه التحولات.

وفي هذا الإطار، تمثل قمة AI Everything MEA Egypt منصة عملية لترجمة هذه الرؤية إلى شراكات ومشروعات ملموسة، حيث تجمع القمة بين صناع السياسات، وقادة التكنولوجيا، والشركات الناشئة، وصناديق الاستثمار، في مساحة واحدة لتبادل الخبرات وبناء التحالفات. وتراهن الدولة على أن يسهم هذا الحدث في جذب استثمارات جديدة، وتعزيز حضور الشركات المصرية في سلاسل القيمة الإقليمية، وفتح آفاق تعاون أوسع مع الأسواق الأفريقية والعربية.

كما تعكس القمة توجه مصر نحو لعب دور المنسق الإقليمي في ملف الذكاء الاصطناعي، من خلال دعم الحوار حول الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وتبادل أفضل الممارسات، والمشاركة الفاعلة في صياغة الأطر الدولية المنظمة لهذا المجال. ويرى مراقبون أن استضافة القاهرة لهذا الحدث الدولي تمثل رسالة واضحة بأن مصر لم تعد طرفًا متلقيًا للتكنولوجيا، بل شريكًا في صياغة مستقبلها.

وتتكامل هذه الجهود مع رؤية أوسع لبناء اقتصاد رقمي تنافسي، يعتمد على الابتكار والمعرفة، ويعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للخدمات الرقمية والتكنولوجية. وفي ظل ما يشهده العالم من سباق محموم على تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو التجربة المصرية مثالًا على كيفية توظيف الإرادة السياسية، والسياسات العامة، والاستثمار في الإنسان، لبناء نموذج وطني قادر على المنافسة والاستدامة.

 

ختامًا، تعكس التجربة المصرية في الذكاء الاصطناعي توجهًا واضحًا نحو بناء دولة رقمية حديثة، لا تقوم فقط على استيراد التكنولوجيا، بل على توطين المعرفة وصناعة السياسات وتطوير العنصر البشري. ومع انعقاد قمة AI Everything MEA Egypt، تؤكد مصر أنها باتت لاعبًا فاعلًا في مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي، وأن المستقبل الرقمي للمنطقة يُرسم اليوم من القاهرة، برؤية دولة وإرادة مؤسسية واعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى