تواجه أوروبا نقاشًا متصاعدًا حول أمنها المالي، حيث تحذر مؤسسات مصرفية أوروبية من الاعتماد الكبير على شبكات الدفع الأمريكية. ويأتي هذا التحذير في وقت أصبحت فيه المدفوعات الرقمية عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية، إذ يعتمد ملايين الأوروبيين على بطاقات الدفع في كل تفاصيل الإنفاق.
وترى جهات مالية أوروبية أن هذا الاعتماد لا يمثل مجرد مسألة تقنية، بل يشكل خطرًا استراتيجيًا طويل المدى. ولذلك يتعامل صناع القرار مع القضية باعتبارها ملف سيادة اقتصادية، وليس مجرد منافسة بين شركات.
هيمنة شبه كاملة على البنية التحتية المالية
تُظهر بيانات البنك المركزي الأوروبي أن شركتي Visa وMastercard تسيطران على نحو ثلثي معاملات البطاقات المصرفية داخل أوروبا. وبالإضافة إلى ذلك، لا تمتلك 13 دولة أوروبية بديلًا محليًا قويًا قادرًا على تغطية احتياجات السوق.
هذا الواقع يضع جزءًا ضخمًا من الاقتصاد الأوروبي تحت مظلة شركات أجنبية. ومع تراجع استخدام النقد، أصبحت أنظمة الدفع الرقمية بنية تحتية حيوية تشبه شبكات الطاقة والاتصالات. لذلك قد يؤدي أي توقف مفاجئ إلى اضطراب اقتصادي واسع خلال ساعات.
ومن ناحية أخرى، يعتمد قطاع التجارة الإلكترونية بالكامل تقريبًا على هذه الشبكات، ما يزيد حساسية الاقتصاد لأي خلل تقني أو سياسي.
المخاوف الجيوسياسية تزيد القلق الأوروبي
لا يقتصر القلق الأوروبي على الجانب التقني، بل يرتبط أيضًا بالتوترات السياسية العالمية. إذ يخشى مسؤولون أوروبيون من استخدام شبكات الدفع كأداة ضغط في حال تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة.
وتعزز التجارب السابقة هذه المخاوف. فقد أظهرت العقوبات على روسيا بعد حرب أوكرانيا قدرة واشنطن على التأثير في الأنظمة المالية العالمية بسرعة كبيرة. ونتيجة لذلك بدأ خبراء أوروبيون يطرحون سؤالًا مباشرًا: ماذا يحدث إذا تعرضت أوروبا لسيناريو مشابه؟
وعلاوة على ذلك، يرى محللون أن أي تعطيل لأنظمة الدفع قد يوقف سلاسل الإمداد ويعطل الرواتب والخدمات الأساسية. لذلك ترتبط القضية مباشرة بالاستقرار الاجتماعي، وليس فقط بالاقتصاد الرقمي.
ضعف البدائل المحلية داخل أوروبا
تمتلك بعض الدول الأوروبية شبكات دفع وطنية، ولكن هذه الشبكات تعمل داخل الحدود المحلية فقط. لذلك لا توفر هذه الأنظمة تجربة عابرة للحدود مثل Visa وMastercard.
وبسبب هذا القيد، فضّل المستهلكون والتجار الشبكات الأمريكية الأكثر مرونة. ومع مرور الوقت، تراجعت البطاقات المحلية تدريجيًا وفقدت قدرتها التنافسية.
وفي المقابل، تدعو مبادرات مالية أوروبية إلى إنشاء نظام دفع موحد يعمل على مستوى القارة. ويهدف هذا المشروع إلى تقليل الاعتماد الخارجي وتعزيز الاستقلال المالي الأوروبي.
تراجع النقد يزيد حساسية الموقف
يتخلى الأوروبيون بسرعة عن الدفع النقدي. ولذلك أصبحت المعاملات الرقمية الوسيلة الأساسية للإنفاق اليومي. ومع هذا التحول، ارتفعت أهمية شبكات الدفع إلى مستوى البنية التحتية الوطنية.
إذا تعطلت هذه الأنظمة، فلن يواجه المستهلكون مجرد تأخير بسيط. بل قد تتوقف عمليات الشراء، وتتجمد المدفوعات، ويصعب الوصول إلى الأموال. ولهذا السبب ينظر صناع القرار إلى المسألة باعتبارها قضية أمن اقتصادي.
وبالإضافة إلى ذلك، تعتمد الحكومات على الأنظمة الرقمية في تحصيل الضرائب ودفع الإعانات. لذلك يؤثر أي خلل في هذه الشبكات على الإدارة الحكومية نفسها.
نموذج الهند يشجع أوروبا
يشير خبراء إلى تجربة الهند كنموذج ناجح لبناء نظام دفع مستقل. فقد طورت الهند منصة وطنية منخفضة التكلفة خلال أقل من عقد، وأصبحت هذه المنصة جزءًا أساسيًا من الاقتصاد.
تُظهر هذه التجربة أن البدائل السيادية ممكنة رغم التعقيدات المؤسسية. ولذلك يستخدم الأوروبيون هذا المثال للدفاع عن فكرة إنشاء شبكة أوروبية قوية.
لكن أوروبا تواجه تحديًا إضافيًا، إذ تحتاج إلى تنسيق الأنظمة المصرفية بين دول متعددة. ومع ذلك، يرى اقتصاديون أن الفوائد طويلة المدى تبرر هذا الجهد.
صراع أوسع حول السيادة الرقمية
ترتبط قضية Visa وMastercard بنقاش أكبر حول السيادة الرقمية الأوروبية. فالقارة تعتمد أيضًا على شركات أمريكية في مجالات الحوسبة السحابية والبرمجيات والمنصات التقنية.
لذلك يرى محللون أن بناء نظام دفع أوروبي يمثل خطوة أولى نحو استقلال رقمي أوسع. وكلما توسعت البنية التحتية المحلية، زادت قدرة أوروبا على حماية اقتصادها من الضغوط الخارجية.
الخلاصة: الاستقلال المالي أصبح أولوية
لا تخشى أوروبا وجود Visa وMastercard بحد ذاتهما، لكنها تخشى الاعتماد الكامل عليهما. فكل اقتصاد رقمي يحتاج إلى بنية تحتية يسيطر عليها داخليًا.
ولهذا تتزايد الدعوات لتطوير نظام دفع أوروبي موحد يضمن الاستقرار والسيادة المالية. وإذا نجحت هذه الخطوة، فقد تعيد تشكيل خريطة المدفوعات العالمية خلال السنوات المقبلة.










