شركة «مكوك».. نموذج مصري ينافس عالميًا في الذكاء الاصطناعي و التكنولوجيا العميقة
في وقتٍ ارتبط فيه مفهوم الذكاء الاصطناعي لدى قطاعات واسعة من الجمهور بالاستخدامات اليومية البسيطة، مثل برامج المحادثة أو توليد الصور والفيديوهات، تكشف تجربة شركة «مكوك لابتكارات الذكاء الاصطناعي» عن وجه مختلف وأكثر عمقًا لهذه التكنولوجيا.
وجه يعمل بعيدًا عن الأضواء، داخل المصانع وحقول البترول وسلاسل الإمداد، حيث تتشكل القرارات المؤثرة في الإنتاج والاقتصاد، وحيث يصبح الخطأ مكلفًا، والدقة ضرورة، والسرعة عنصرًا حاسمًا. هذه التجربة رصدتها مجلة «وطن رقمي»، حيث كشف المهندس محمود حجاب، المدير التنفيذي والشريك المؤسس لشركة مكوك، عن فلسفة مغايرة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، تقوم على بناء منظومات ذكية متكاملة، لا مجرد تقديم أدوات تقنية عابرة.
ويؤكد حجاب في حديثه أن الذكاء الاصطناعي الحقيقي لا يُقاس بعدد المستخدمين أو بانتشاره على الشاشات، بل بقدرته على العمل داخل البيئات المعقدة، واتخاذ قرارات تشغيلية دقيقة في الوقت المناسب.
ويشير إلى أن ما يعرفه الجمهور عن الذكاء الاصطناعي لا يمثل سوى جزء محدود من الصورة الكاملة، بينما توجد طبقة أعمق من هذه التكنولوجيا مخصصة للمؤسسات الكبرى، تتتطلب بناء دقيق لخوازرميات معقدة ، وتتطلب أيضا حوكمة صارمة للبيانات، وتكاملًا كاملًا مع العمليات التشغيلية، وفهمًا دقيقًا لاقتصاديات التشغيل والمخاطر و هذا ما نستطيع أن نطلق عليه ذكاء القرار (Decision Intelligence AI) كأهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المؤسسي ( Enterprise AI).
ورغم أن اسم «مكوك» بدأ في الظهور بالسوق خلال نهاية عام 2024 وبداية 2025، إلا أن جذور الشركة تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
حيث يوضح المهندس محمود حجاب أن خبرته في مجال الذكاء الاصطناعي تعود إلى عام 2007، حين بدأ العمل في هذا المجال مع شريكه الدكتور أيمن الكيلاني، أستاذ الذكاء الاصطناعي بجامعة القاهرة.
وعلى مدار ما يقرب من عقدين، عمل الفريق على تطوير وتنفيذ حلول ذكاء اصطناعي متقدمة داخل مصر وخارجها، تحت مظلة كيانات استشارية مختلفة، قبل اتخاذ قرار إعادة تقديم هذه الخبرة المتراكمة في كيان متخصص يحمل اسم «مكوك»، بهوية واضحة ورؤية إقليمية وطموح عالمي.
وتصنف مكوك نفسها كشركة Deep Tech، وهو توصيف يعكس طبيعة الحلول التي تقدمها، ويضعها في خانة مختلفة عن شركات البرمجيات التقليدية.
فبحسب حجاب، يقتصر دور السوفت وير التقليدي غالبًا على تنظيم البيانات وإخراج التقارير، بينما تعتمد حلول الديب تيك على نماذج علمية وبحثية متقدمة، تُمكّن النظام من التحليل الذاتي، والتعلم من البيانات التاريخية، والتفاعل مع القيود التشغيلية المعقدة.
في هذه الحالة، لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بعرض المشكلة، بل ينتقل إلى اقتراح الحلول، وأحيانًا تنفيذها، ضمن منظومة ذكية مصممة بعناية.
ويستعرض المدير التنفيذي لمكوك عددًا من التطبيقات العملية التي توضح طبيعة هذا النوع من الذكاء الاصطناعي.
ففي قطاع التصنيع، تعتمد الشركة على تقنيات خوازرميات التحسين و التنبؤ العميقة لإدارة المصانع بشكل متكامل ، حيث تستطيع أنظمة الشركة بناء خطة الإنتاج بشكل مستقل مع الأخذ في الاعتبار كافة القيود من توافر الخامات و توقيت الصيانات و عدد العمال و الطاقة و غيرها من القيود لتلبية كافة طلبات الإنتاج في أفضل توقيت مع الاستغلال الكامل للموارد و توفير النفقات.
تستطيع مثل هذه الأنظمة مضاعفة الإنتاج و اتخاذ قرارات حساسة في مسارات حرجة بشكل أفضل من الخبير البشري.
و تعتبر مثل تلك الأنظمة هي العقل الافتراضي الذي يدير المنظومة و يتخذ القرارات (بشكل مستقل أو من خلال الرجوع للخبير البشري) و تدير تلك الأنظمة باقي الأنظمة التقنية للمؤسسة ، من نظام الـ ERP/WMS و غيرها.
ويمتد نشاط مكوك بقوة إلى قطاع الطاقة والنفط والغاز، خاصة في مصر والسعودية، حيث تقدم الشركة حلولًا لمراقبة جودة أنابيب الحفر وكثافة المعادن، إلى جانب استخدام الطائرات دون طيار لمتابعة المواقع البترولية واسعة النطاق.
هذه الدرونات تجمع كميات هائلة من البيانات البصرية، تُحلل لحظيًا باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، لإنتاج إحصائيات دقيقة تساعد الإدارة على اتخاذ قرارات تصحيحية فورية، سواء لتفادي مخاطر محتملة أو لتحسين كفاءة التشغيل.
ويؤكد حجاب أن هذه الأنظمة تعمل وفق مبدأ «البشر في الحلقة»، بحيث يظل القرار النهائي في الحالات الحساسة بيد الخبير البشري، بينما يقوم الذكاء الاصطناعي بدور المساعد الذكي القادر على الرؤية والتحليل بلا توقف.
ويشير حجاب إلى أن أحد أكبر التحديات التي تواجهها الشركة لا يتمثل في التكنولوجيا نفسها، بل في وعي المؤسسات بطبيعة الذكاء الاصطناعي وإمكاناته الحقيقية. فالكثير من الشركات تتعامل معه كمنتج جاهز يمكن شراؤه وتشغيله مباشرة، دون إدراك أن النجاح في هذا المجال يبدأ بفهم المشكلة، وتحليل مسار العمل، ودراسة اقتصاديات التشغيل.
من هنا، تلعب مكوك دورًا استشاريًا أساسيًا، حيث تبدأ كل شراكة بدراسة دقيقة لواقع العميل، وتحديد النقاط التي يمكن للذكاء الاصطناعي من خلالها تقليل التكاليف، أو زيادة العوائد، أو حماية المنشأة من المخاطر التشغيلية.
ويؤكد المدير التنفيذي لمكوك أن الشركة تركز بشكل أساسي على ما يُعرف بالمشروعات العملاقة أو Mega Projects، مع عملاء كبار في قطاعات حساسة مثل التصنيع، وسلاسل الإمداد، واللوجستيات، والطاقة، والنفط والغاز، والإنشاءات.
هذه المشروعات تتطلب بنية تحتية قوية، وفريقًا متعدد التخصصات يضم مهندسين وخبراء بيانات وأكاديميين، بعضهم يعمل في تدريس وبحث علوم الذكاء الاصطناعي منذ أكثر من ثلاثين عامًا. ويضيف أن مكوك تتعامل بالفعل مع عملاء دوليين ومتعددي الجنسيات، لكنها تلتزم بعدم الإفصاح عن أسمائهم احترامًا لبنود السرية.
وعلى المستوى الإقليمي، تمتلك مكوك حضورًا في مصر والبحرين والسعودية، في إطار استراتيجية توسع تستهدف تلبية الطلب المتزايد على حلول الذكاء الاصطناعي المؤسسي في منطقة الشرق الأوسط. ويؤكد حجاب أن الثقة في الحلول التقنية القادمة من مصر باتت أكبر من أي وقت مضى، في ظل توافر كوادر بشرية مؤهلة وخبرات علمية قادرة على المنافسة عالميًا.
ويشير إلى أن الفترة المقبلة، وتحديدًا عام 2026، ستشهد تركيزًا أكبر على قطاع التصنيع باعتباره من أكثر القطاعات استفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ويوجّه المهندس محمود حجاب رسالة واضحة للمؤسسات التي تسعى لدخول عالم الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن البداية الصحيحة لا تكون بشراء الأدوات، بل ببناء رؤية واضحة، وفهم عميق للمشكلة، ووضع الإنسان في قلب المنظومة.
فالذكاء الاصطناعي، كما ترى مكوك، ليس بديلًا عن البشر، بل عقل إضافي يعمل بلا توقف لدعمهم وتمكينهم من اتخاذ قرارات أكثر دقة وكفاءة.
هكذا، تقدم شركة مكوك نموذجًا مصريًا جادًا ينافس عالميًا، ويعيد تعريف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لإدارة الواقع، لا مجرد تريند عابر.









