أكد خالد بركات، الخبير المصرفي، أن الذكاء الاصطناعي في البنوك المصرية يمثل فرصة مهمة أمام القطاع المصرفي للانتقال إلى مرحلة جديدة من التحول الرقمي، مشيرًا إلى أن تطور البنية التكنولوجية واتساع قاعدة الشمول المالي ونمو الخدمات المالية الرقمية توفر عوامل داعمة لتعزيز قدرة البنوك المصرية على المنافسة إقليميًا.
وأوضح بركات أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تطوير الخدمات المصرفية أو تقليل تكاليف التشغيل، وإنما تمتد إلى إعادة صياغة نموذج العمل داخل المؤسسات المالية، بما يرفع كفاءة إدارة المخاطر ويدعم الوصول إلى عملاء جدد ويسهم في زيادة قدرة البنوك على تمويل الأفراد والشركات.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل البنوك المصرية
قال الخبير المصرفي إن تجارب التحول الرقمي أثبتت أن المؤسسات الأكثر نجاحًا هي التي تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها جزءًا من إعادة بناء نموذج العمل، وليس مجرد مشروع تقني منفصل.
وأشار إلى أن هذا النهج يمكن تطبيقه على مستوى المؤسسات المصرفية.. كما يمكن أن يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الوطني من خلال تحسين كفاءة الخدمات المالية وتوسيع قاعدة المستفيدين منها.
وتشير تقديرات شركة ماكينزي إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنويًا إلى الاقتصاد العالمي.. من بينها نحو 200 إلى 340 مليار دولار للقطاع المصرفي.
ويرى بركات أن البنوك تستطيع الاستفادة من هذه التكنولوجيا في مجالات متعددة، أبرزها تحليل البيانات.. وإدارة المخاطر، وخدمة العملاء، ومعالجة المستندات، إلى جانب تطوير أدوات أكثر دقة لتقييم الجدارة الائتمانية.
الذكاء الاصطناعي يدعم الشمول المالي في مصر
يمثل الشمول المالي أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تستفيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة من خلال نماذج التقييم الائتماني البديلة.
وأوضح بركات أن هذه النماذج تستطيع مساعدة البنوك في تقييم العملاء والشركات الصغيرة التي لا تمتلك سجلًا ائتمانيًا تقليديًا.. وهو ما قد يفتح الباب أمام دخول شرائح جديدة إلى النظام المالي الرسمي.
وتكمن أهمية هذه الأدوات في قدرتها على التعامل مع بيانات متنوعة للمساعدة في تقييم المخاطر.. بما يساهم في تحسين فرص حصول العملاء الذين لا يمتلكون تاريخًا ائتمانيًا كافيًا على الخدمات والمنتجات المصرفية.
ويأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه نسبة الشمول المالي في مصر بين المواطنين من عمر 15 عامًا فأكثر من نحو 27% عام 2016 إلى 77.6% بنهاية عام 2025، وفق البيانات المشار إليها في التقرير.
خدمات مصرفية رقمية أكثر تطورًا
تشمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل القطاع المصرفي عددًا من المجالات، من بينها تقنيات معالجة اللغة الطبيعية المستخدمة في تطوير خدمة العملاء، والذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يمكن توظيفه في تحليل المستندات وإعداد التقارير.
كما تتجه المؤسسات المالية إلى الاستفادة من الأنظمة الوكيلة القادرة على تنفيذ مجموعة من الإجراءات وفق صلاحيات وضوابط محددة، بالإضافة إلى استخدام التحليلات التنبؤية في إدارة المخاطر ودعم عملية اتخاذ القرار.
وتتزامن هذه التطورات مع توسع البنية التحتية للخدمات المصرفية الرقمية في مصر، خاصة بعد إقرار البنك المركزي المصري الإطار التنظيمي لمنصة الهوية المالية الرقمية «eKYC» في أغسطس الماضي.
وتتيح المنصة إمكانية فتح الحسابات والحصول على المنتجات والخدمات المصرفية عبر القنوات الرقمية دون الحاجة إلى زيارة فروع البنوك، بما يدعم الوصول إلى شرائح أكبر من العملاء.
إنستاباي يتجاوز 22 مليون مستخدم
يعكس نمو المدفوعات الرقمية في مصر اتساع الاعتماد على الخدمات المالية الإلكترونية.. إذ تجاوز عدد مستخدمي شبكة المدفوعات اللحظية وتطبيق «إنستاباي» 22 مليون مستخدم.. بينما بلغت قيمة المعاملات 4.33 تريليون جنيه حتى الربع الثاني من عام 2026.
ويعزز هذا النمو البيئة المناسبة لتوسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل القطاع المصرفي، مع تزايد حجم البيانات والمعاملات الرقمية والحاجة إلى أدوات أكثر تطورًا لتحليلها وإدارتها وتأمينها.
كما شهد القطاع المصرفي تطورات تنظيمية خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع التوسع في الخدمات المالية الرقمية ومنح أول ترخيص لبنك رقمي بالكامل في السوق المصرية.
مصر تستفيد من خبراتها الرقمية في أفريقيا
ولا يقتصر تطور التجربة المصرية في التكنولوجيا المالية على السوق المحلية، إذ بدأت بعض الخبرات المصرية في مجالات إدارة البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في جذب اهتمام مؤسسات مالية أفريقية.
واستضاف البنك المركزي المصري خلال يوليو 2026 وفدين من البنك المركزي الغاني للاطلاع على التجربة المصرية في إدارة البيانات، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية والتنبؤ بالتضخم.
وشملت الزيارة كذلك التعرف على منظومات الأمن السيبراني المالي.. بما يعكس اتساع نطاق التعاون وتبادل الخبرات في مجالات التكنولوجيا المالية والتحول الرقمي.
ويتزامن ذلك مع نمو قطاع الخدمات الرقمية والتعهيد في مصر، الذي سجل صادرات بقيمة 5.2 مليار دولار خلال عام 2025.. عبر 252 شركة و282 مركزًا عالميًا لتقديم الخدمات، يعمل بها أكثر من 195 ألف متخصص.
مؤشرات اقتصادية تدعم التحول الرقمي
يرى بركات أن التحول الرقمي في القطاع المصرفي يأتي بالتزامن مع مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي يمكن أن تساعد على تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الاستفادة من التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي.
وشهد التصنيف الائتماني لمصر تحسنًا خلال الفترة الماضية.. كما سجل صافي الاحتياطيات الدولية مستوى قياسيًا بلغ 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026.
وارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بنمو بلغ 29.6%.. بينما سجلت إيرادات قناة السويس 4.67 مليار دولار خلال العام المالي نفسه، بزيادة بلغت 23%.
ويرى الخبير المصرفي أن اجتماع هذه المؤشرات مع ارتفاع معدلات الشمول المالي وتطور البنية التكنولوجية وتوافر الكفاءات الرقمية والاستثمارات المتزايدة في التكنولوجيا المالية، يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتعزيز تنافسية البنوك المصرية.
استثمارات جديدة في التكنولوجيا المالية
يمثل دخول المؤسسات المالية التقليدية في استثمارات مباشرة بقطاع التكنولوجيا المالية مؤشرًا إضافيًا على التحول الذي يشهده السوق المصري.
وفي هذا السياق، أشار بركات إلى استثمار الأهلي كابيتال، الذراع الاستثمارية للبنك الأهلي المصري.. في منصة الخدمات المالية الرقمية MNT-Halan خلال يونيو 2026، بتقييم بلغ 1.4 مليار دولار.
ويعكس هذا النوع من الاستثمارات تزايد التقارب بين البنوك التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية.. مع اتجاه المؤسسات المصرفية إلى الاستفادة من الحلول الرقمية لتطوير الخدمات والوصول إلى شرائح جديدة من العملاء.
البنوك المصرية أمام فرصة إقليمية
وأكد بركات أن نجاح التحول المصرفي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يتطلب التعامل معه باعتباره تحولًا مؤسسيًا شاملًا.. وليس مجرد تحديث تقني داخل البنوك.
وأشار إلى أهمية دعم الشراكات بين البنوك التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية، إلى جانب استمرار تطوير الأطر التنظيمية التي تشجع الابتكار وتجذب الاستثمارات في القطاع.
وبحسب رؤيته، فإن امتلاك مصر قاعدة متنامية من العملاء المستخدمين للخدمات الرقمية.. إلى جانب تطور البنية التكنولوجية وارتفاع معدلات الشمول المالي وتوافر الكفاءات المتخصصة.. يمنح القطاع المصرفي فرصة لتعزيز دوره في الاقتصاد الرقمي.
ومع استمرار التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية الرقمية.. تبدو البنوك المصرية أمام فرصة لتحويل التطور التكنولوجي إلى قيمة اقتصادية فعلية.. ليس فقط من خلال تحسين الخدمات وخفض التكاليف.. ولكن أيضًا عبر توسيع قاعدة العملاء ودعم تمويل المشروعات والأفراد وتعزيز حضور القطاع المصرفي المصري على المستوى الإقليمي.










