الأخبارمقالات الرأي

الذكاء الاصطناعي الوكيل.. عندما يصبح للآلة قرار وفعل

بقلم د/ محمد علي – خبير استشاري تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي

منذ سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء صورة أو فيديو، أو حل مسألة رياضية معقدة، أو ترجمة كتاب، أو تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، يبدو وكأنه قفزة تكنولوجية هائلة ربما لم يحن وقتها بعد.

لكن ظهور ChatGPT وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي غيّر المشهد بسرعة. وأصبحنا نتعامل مع الآلة باعتبارها مساعدًا ذكيًا، أو موظفًا نشيطًا لا راتب له ولا إجازات ولا مواعيد عمل. نطلب منه فينفذ، ونسأله فيجيب، حتى أصبح قريبًا من حياتنا اليومية لدرجة أن البعض بدأ يتعامل معه كصديق أو مستشار أو مرجع متاح في أي وقت.

لكننا الآن ندخل مرحلة مختلفة تمامًا.

فالمرحلة الجديدة لا تتعلق فقط بأن الآلة تعرف وتجيب، وإنما بأنها بدأت تخطط وتتصرف وتنفذ. وهنا يظهر مفهوم Agentic AI أو الذكاء الاصطناعي الوكيل.

من مساعد ذكي إلى وكيل يتصرف

لتقريب الفكرة، تخيل أنك عينت موظفًا جديدًا، وأعطيته جهاز كمبيوتر وبريدًا إلكترونيًا وصلاحيات للدخول إلى بعض الأنظمة، ثم قلت له: «راجع المشاريع السابقة، وحلل بياناتها، واستخرج المعلومات المهمة، وأعد لي تقريرًا بالنتائج».

هذا الموظف لن ينتظر منك أن تخبره بكل خطوة. سيفهم المطلوب، ويخطط للعمل، ويبحث عن المعلومات، ويستخدم الأدوات المتاحة أمامه، ويتابع النتائج، وإذا اكتشف أثناء العمل أن هناك طريقة أفضل، فقد يغير أسلوبه حتى يصل إلى النتيجة المطلوبة.

الآن تخيل أن هذا الموظف ليس إنسانًا، وإنما برنامج يعمل بالذكاء الاصطناعي.

هنا يبدأ التحول الحقيقي.

اعتدنا أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة نسألها فتجيب، لكن الذكاء الاصطناعي الوكيل يعمل بطريقة مختلفة. فأنت تعطيه هدفًا، وهو يخطط وينفذ جزءًا كبيرًا من الطريق للوصول إليه، ويستخدم الأدوات والصلاحيات المتاحة له، ويجمع المعلومات ويحللها، ثم يتابع النتائج.

ببساطة، انتقلنا من مرحلة «الذكاء الاصطناعي يجيبني» إلى مرحلة «الذكاء الاصطناعي يعمل نيابة عني».

وفي بعض التطبيقات، قد يصل الأمر إلى اتخاذ قرار وتنفيذه.

وهنا تحديدًا لا تصبح القضية مرتبطة فقط بمدى ذكاء النظام، وإنما بمدى استقلاليته وقدرته على الفعل.

عندما يدخل الذكاء الاصطناعي المؤسسات

تخيل تأثير هذا التحول داخل المؤسسات الكبرى أو الحكومات.

ففي جهة حكومية، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي أن يستقبل طلبًا، ويراجع المستندات، ويتحقق من البيانات، ويستدعي معلومات من أكثر من نظام، ويكتشف البيانات الناقصة أو المتعارضة، ثم يجهز الحالة للموظف المختص.

وفي شركة، يمكن لوكيل ذكي أن يراجع البريد الإلكتروني، ويتابع العملاء، ويحلل المبيعات، ويكتشف انخفاض الأداء، ثم يجهز تقريرًا للإدارة.

أما في الأمن السيبراني، فيمكنه مراقبة آلاف الأحداث، وربطها ببعضها، واكتشاف نمط مشبوه، والمساعدة في التعامل معه.

نحن هنا لا نتحدث عن Chatbot أكثر ذكاءً، وإنما عن نوع جديد من العمالة الرقمية التي يمكن أن تنفذ مهام متعددة بدرجة من الاستقلالية.

وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الأصعب.

المشكلة ليست في أن يخطئ الذكاء الاصطناعي.. وإنما في أن ينفذ الخطأ

خطأ الذكاء الاصطناعي عندما يكون مجرد إجابة غير صحيحة شيء، لكن الأمر يصبح مختلفًا تمامًا عندما يمتلك النظام صلاحيات يستطيع من خلالها التصرف بنفسه.

إذا سألت Chatbot عن معلومة وأعطاك إجابة خاطئة، يمكنك مراجعتها واكتشاف الخطأ.

لكن إذا منحت الذكاء الاصطناعي الوكيل صلاحية إرسال بريد إلكتروني، أو تعديل ملف، أو تنفيذ كود، أو التعامل مع قاعدة بيانات، ثم اتخذ قرارًا خاطئًا، فالموضوع لم يعد مجرد معلومة غير صحيحة، وإنما أصبح فعلًا حقيقيًا يمكن أن تترتب عليه نتائج حقيقية.

وهنا تظهر واقعة حديثة في أستراليا تستحق التوقف عندها.

فبحسب ما أُعلن رسميًا في 24 سبتمبر 2026، تحدث رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي عن واقعة وقعت خلال يونيو الماضي، تمكن خلالها وكيل للذكاء الاصطناعي من الوصول بصورة غير مصرح بها إلى جزء من بوابة حكومية مرتبطة بخدمات Medicare.

ولا تكمن أهمية الواقعة في القول إن بيانات المرضى الشخصية تمت سرقتها، إذ لا يوجد ما يثبت ذلك وفق المعلومات الرسمية المعلنة، وإنما في السؤال الأهم: كيف تمكن وكيل للذكاء الاصطناعي، أثناء تنفيذ مهمة، من الوصول إلى معلومات وملفات لم يكن من المفترض أن تكون متاحة له بهذه الصورة؟

وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر أهمية:

ليس فقط: الوكيل الرقمي وصل إلى ماذا؟ وإنما: كيف استطاع الوصول؟

كلما زادت قدرة الآلة على الفعل.. زادت تكلفة الخطأ

نحن أمام نوع جديد من المخاطر.

فالذكاء الاصطناعي الوكيل يمكن أن يتعرض لتعليمات خبيثة داخل البيانات التي يتعامل معها، أو يستغل صلاحيات أُعطيت له، أو ينفذ سلسلة من الخطوات التي لم يتوقعها مطورو النظام.

وبالتالي، كلما زادت قدرة الآلة على الفعل، زادت تكلفة الخطأ.

وهنا تظهر أسئلة ما زال العالم نفسه يحاول الإجابة عنها:

من المسؤول إذا أخطأ الذكاء الاصطناعي الوكيل؟

هل هي الشركة التي طورت النموذج؟ أم المؤسسة التي استخدمته؟ أم الشخص الذي منحه الصلاحيات؟

وماذا سيحدث إذا أصبح لدينا آلاف أو ملايين الوكلاء الرقميين الذين يعملون ويتعاملون مع بعضهم البعض بصورة شبه مستقلة؟

هذه ليست أسئلة فلسفية بعيدة عن الواقع، وإنما أسئلة مرتبطة مباشرة بتصميم الأنظمة، وإدارة الصلاحيات، والمسؤولية القانونية، والأمن السيبراني، والحوكمة.

لا نحتاج إلى الخوف من التكنولوجيا.. ولا إلى إطلاق يدها بلا قيود

المفارقة أن التكنولوجيا نفسها التي يمكن أن توفر ساعات وأيامًا من العمل، وتختصر إجراءات معقدة، وتساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أسرع، يمكن في الوقت نفسه أن تخلق مخاطر جديدة.

لذلك، المطلوب ليس الخوف من التكنولوجيا، كما أنه ليس إطلاق يدها بلا قيود.

المطلوب هو بناء قواعد واضحة للصلاحيات، وآليات للرقابة، ونقاط تدخل بشري، واختبارات حقيقية قبل منح الأنظمة القدرة على تنفيذ أفعال مؤثرة.

والأهم من ذلك كله هو بناء وعي تكنولوجي حقيقي.

فالقضية لم تعد مجرد سباق للحصول على أحدث نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما سباق على البيانات، والرقائق، والحوسبة، والنماذج، والكفاءات، والبنية التحتية، والقدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات حقيقية.

هل يصبح الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا استراتيجية؟

قد نشهد مع الوقت بعض قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة باعتبارها تكنولوجيا استراتيجية تخضع لقيود في الاستخدام أو التصدير أو الوصول إلى الحوسبة المتقدمة.

وهنا يمكن أن تظهر أوجه تشابه مع تكنولوجيات استراتيجية أخرى، ليس بمعنى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح «تكنولوجيا نووية»، وإنما من حيث الأهمية الاستراتيجية والمعرفة والقدرات التي يمكن أن تمنحها هذه التكنولوجيا للدول التي تمتلكها وتطورها.

وهذا يطرح سؤالًا مهمًا بالنسبة للدول التي لا تريد أن تظل مجرد مستهلك للتكنولوجيا.

إذا انتظرنا حتى يستقر كل شيء، وتتحدد جميع القواعد، وتصبح التكنولوجيا ناضجة تمامًا، فقد نكتشف أن الدول التي بدأت مبكرًا أصبحت تمتلك الخبرة والكفاءات والبنية التحتية، بينما أصبح الآخرون مجرد مستخدمين لمنتجاتهم.

وعندها لن تكون الفجوة في تطبيق جديد أو خدمة جديدة فقط.

قد تكون الفجوة في الاقتصاد، والطب، والتعليم، والصناعة، والأمن، والخدمات الحكومية، وحتى القدرات العسكرية.

من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوت.. الخطوة التالية

ما يحدث في مجال الروبوتات يعطينا صورة عن الاتجاه المحتمل للمرحلة القادمة.

فالصين تستثمر بقوة في الروبوتات الشبيهة بالبشر، وهناك أبحاث وتجارب تتناول استخدامات متعددة لهذه الروبوتات، من بينها الاستطلاع واللوجستيات والعمل في البيئات الخطرة، إلى جانب تطبيقات ذات صلة بالمجال العسكري.

ولا تزال أمام هذه التكنولوجيا تحديات كبيرة تتعلق بالطاقة والاعتمادية والتحكم والسلامة، لكن الاتجاه نفسه يستحق الانتباه.

فقد ننتقل تدريجيًا من ذكاء اصطناعي يساعد ويجيب، إلى ذكاء اصطناعي يفكر ويخطط ويتصرف، ثم إلى روبوت قادر على تنفيذ هذه الأفعال في العالم الحقيقي.

وعندها يصبح التحدي أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يجتمع الذكاء الاصطناعي الوكيل مع آلة قادرة على تنفيذ قراراته على أرض الواقع؟

المشكلة ليست أن الآلة شريرة

ربما لا نحتاج إلى العودة إلى أفلام الخيال العلمي، وخصوصًا أفلام أرنولد شوارزنيجر، لنتخيل أن الروبوت سيكره الإنسان أو يقرر السيطرة على العالم.

الخطر الأكثر واقعية قد يكون أبسط بكثير.

قد يكون لدينا نظام ذكي وسريع، يمتلك صلاحيات واسعة، ومتصل بآلة قادرة على تنفيذ قراراته، ثم يحدث خطأ في البيانات أو في تحديد الهدف أو في الصلاحيات أو في توقيت تنفيذ القرار.

في هذه الحالة، المشكلة ليست أن الآلة «شريرة».

المشكلة أنها نفذت ما طلبناه منها، ولكن بطريقة لم نكن نتوقعها.

وهذا ربما يكون واحدًا من أهم الدروس التي يجب أن نفهمها في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيل.

والسؤال بالنسبة لمصر والعالم العربي

السؤال بالنسبة لنا في مصر والعالم العربي لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟

السؤال الحقيقي هو:

هل سنمتلك القدرة على فهمه وتطويره وتوطينه، ووضع الضوابط اللازمة لاستخدامه؟

فالفرق بين دولة تدخل عصر الذكاء الاصطناعي باعتبارها منتجًا ومطورًا وصاحبة معرفة، ودولة تدخله باعتبارها مجرد مستهلك لتطبيقات الآخرين، يمكن أن يكون كبيرًا خلال سنوات قليلة.

العالم لا ينتظر.

والذكاء الاصطناعي لن يتوقف حتى ننتهي من مشكلاتنا أو نقاشاتنا.

ومع كل جيل جديد من التكنولوجيا، تكبر الفجوة بين من يصنع التكنولوجيا ومن يستهلكها.

من يملك الذكاء.. ومن يملك القدرة؟

ربما نكون أمام لحظة تاريخية جديدة يمكن أن تعيد تشكيل العالم، كما فعلت تكنولوجيات كبرى من قبل.

وبالتالي، فإن التأخر في امتلاك الذكاء الاصطناعي وتوطينه لا يعني فقط أننا سنتأخر في مجال التكنولوجيا.

بل قد يعني أننا سنتأخر في المجالات التي ستعيد هذه التكنولوجيا تشكيلها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم في السنوات القادمة هو: هل الذكاء الاصطناعي مفيد أم خطير؟

السؤال الأهم هو:

من سيمتلك المعرفة والبيانات والحوسبة والكفاءات والقدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي من منتج نستخدمه إلى معرفة وقدرة نمتلكها ونطورها ونوجهها؟

لأن المستقبل، في النهاية، لن يكون فقط لمن يستخدم الذكاء الاصطناعي.

بل لمن يمتلك القدرة على فهمه وصناعته وتوجيهه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى