الأخبارشركات

محمود حجاب في حوار خاص لبودكاست «كن تك»: مكوك (Makkook.AI).. شركة مصرية تستهدف منافسة عمالقة التكنولوجيا في مجال ذكاء القرار

محمود حجاب: رؤية «مكوك» هي تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قرارات ذكية ونتائج ملموسة

استضاف بودكاست «كن تك»، الذي يقدمه الإعلامي حسن عثمان، المهندس محمود حجاب، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مكوك (Makkook.AI)، في حوار كشف خلاله عن رحلته مع التكنولوجيا وريادة الأعمال، منذ تعلم البرمجة في طفولته وإدارة أول مشروع له في سن الثانية عشرة، وصولًا إلى تأسيس شركة متخصصة في تطوير أنظمة ذكاء القرار للمؤسسات ذات العمليات المعقدة.

وتناول الحوار الفكرة التي قامت عليها «مكوك»، والتحديات التي تواجه المصانع والشركات في إدارة مواردها واتخاذ قراراتها، إلى جانب نتائج تطبيق حلول الشركة في بعض خطوط الإنتاج، وطبيعة الفريق الذي يعمل على تطوير منتجاتها، وخططها للتوسع خلال السنوات المقبلة. كما تطرق إلى حدود الاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتأثير التكنولوجيا على الوظائف، ودور الحكومة في دعم الشركات المصرية القادرة على تطوير حلول تنافس عالميًا.

وفيما يلي نص الحوار:

في البداية.. من هو محمود حجاب الذي لا يعرفه الناس؟

أنا محمود حجاب، المدير التنفيذي والشريك المؤسس لشركة Makkook.AI ومن الصعب فهم رحلتي في التكنولوجيا وريادة الأعمال من غير الرجوع إلى طفولتي، لأنني كنت محظوظًا بوجود بيئة داعمة جدًا، سواء من أسرتي أو المدرسة والمدرسين الذين تعاملت معهم.

بدأ اهتمامي بالبرمجة وأنا عندي نحو سبع أو ثماني سنوات. كانت أختي تراني أمام جهاز الكمبيوتر «صخر» القديم، وأقرأ كتابًا عن لغة البرمجة «كويك بيزك» وأحاول التطبيق بنفسي، في وقت لم تكن فيه الألعاب والبرامج المتطورة متاحة بالشكل الذي نعرفه اليوم.

لاحظت أختي اهتمامي، وساعدتني على البدء في تعلم البرمجة. تعلمت نظام «دوس»، ثم «كويك بيزك»، وحصلت وأنا في العاشرة من عمري على شهادة في هذه اللغة، قبل أن أستكمل رحلتي في تعلم لغات وتقنيات أخرى.

في الوقت نفسه، نشأت داخل أسرة لديها اهتمام بالتجارة والعمل. والدي كان يعمل مدرسًا بالتربية والتعليم، لكنه كان يمارس أنشطة تجارية واستثمارية إلى جانب عمله، من بينها تجارة الأجهزة الكهربائية. كما كان أخي، رحمه الله، قد افتتح محلًا للملابس الجاهزة عندما كان في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره.

كنت أرى هذه التجارب عن قرب، وأتابع التعامل مع الموردين والموزعين والصفقات التجارية. وهكذا اجتمع لدي مبكرًا الاهتمام بالتكنولوجيا مع التعرف على عالم الأعمال، والأهم أنني وجدت تشجيعًا من أسرتي على التعلم والتجربة.

كيف بدأت أول تجربة عملية لك في عالم الأعمال وأنت لا تزال طفلًا؟

بعد وفاة أخي، واجهت الأسرة صعوبة في إدارة محلات الملابس وتطويرها، فبدأت تجربة جديدة بمساعدة والدي. كنت وقتها في الثانية عشرة من عمري، وفي الصف الثاني الإعدادي، وأسست معه مشروعًا لإدارة سنترال.

لم تكن التجربة مجرد عمل تجاري بالنسبة لي؛ كنت أتعامل أيضًا مع الجانب التقني، وأبرمج أجهزة السنترال وأتعامل مع أنظمة شركات مثل سيسكو وباناسونيك وغيرها من الأجهزة التي كنا نستخدمها.

بعد ذلك، توسعت في النشاط وبدأت توزيع خطوط الإنترنت بتقنية DSL، التي كانت محدودة الانتشار آنذاك، بينما كان الاتصال بالإنترنت عبر الهاتف هو الأكثر شيوعًا.

كل ذلك حدث قبل دخولي الجامعة. كنت أتعلم البرمجة وتطوير البرمجيات، وأعمل في الوقت نفسه، ولذلك أصبحت إدارة مشروع أو التعامل مع عميل أو حل مشكلة تقنية جزءًا طبيعيًا من حياتي منذ سن مبكرة.

لم تكن المسألة مرتبطة بالمال فقط، فأسرتي كانت داعمة لي، وإنما كنت قد اعتدت على العمل والتجربة، وعلى أن أتعلم شيئًا ثم أحاول تطبيقه عمليًا.

كيف جمعت بين الهندسة والاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا؟

كنت متفوقًا دراسيًا منذ طفولتي، لكن حياتي لم تكن مقتصرة على الدراسة. كنت أذهب إلى المدرسة، ثم أعمل لساعات طويلة في مشروعاتي، وأمارس الرياضة أيضًا. لذلك دخلت الجامعة وأنا معتاد على إدارة أكثر من مسؤولية في الوقت نفسه.

درست الهندسة، وبدأت خلال سنوات الجامعة الاهتمام بالاقتصاد، ثم عملت في سوق المال، وحققت نتائج جيدة، وحصلت على تصنيفات في بعض المسابقات الدولية.

بعد التخرج، كان أمامي خيار السفر إلى أوروبا، أو العودة إلى طنطا والبقاء بالقرب من أسرتي، خاصة أن والدي كان قد وصل إلى سن التقاعد. اخترت البقاء، وبدأت تجربة جديدة في قطاع المطاعم.

افتتحت مطعمًا حقق نجاحًا، ثم افتتحت له فرعًا ثانيًا. وبعد ذلك عدت إلى العمل في التكنولوجيا، وأسست شركة ناشئة أخرى كانت تعمل في مجال يتضمن تطبيقات للذكاء الاصطناعي خلال عامي 2014 و2015.

كما دخلت في شراكات مع أصدقاء لتقديم خدمات البرمجيات والتحول الرقمي لشركات محلية ودولية، وهو ما منحني خبرة عملية في التعامل مع المؤسسات الكبيرة ومتطلباتها.

هذه التجارب جعلتني أتعرف على جوانب مختلفة من الأعمال، بداية من إدارة مشروع صغير، مرورًا بالتجارة وسوق المال، وصولًا إلى تطوير حلول تقنية للشركات. وأعتقد أن الجمع بين هذه الخبرات كان مهمًا في تشكيل الفكرة التي تحولت لاحقًا إلى Makkook.AI.

ما دور الدكتور أيمن الكلاني في رحلتك مع الذكاء الاصطناعي؟

الدكتور أيمن الكلاني صديق قديم وشريك رحلة، فقد كنا زميلين في المرحلة الإعدادية بطنطا، وكنا مهتمين بالبرمجة والتكنولوجيا منذ وقت مبكر.

هو تخصص في علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي بجامعة القاهرة، بينما تخصصت أنا في هندسة ميكانيكا القوى. لكننا كنا نعمل معًا باستمرار، ونكمل بعضنا بعضًا.

منذ عام 2006 تقريبًا، بدأت أتعمق في الجانب الرياضي والخوارزمي المرتبط بالمشكلات التي نعمل عليها اليوم. كما ساعدني أيمن على الاقتراب من الجانب العلمي والأكاديمي للذكاء الاصطناعي، من خلال متابعة الأبحاث العلمية والمشاركة في العمل المرتبط بها.

كان ذلك في وقت مبكر، خلال عامي 2009 و2010، قبل الانتشار الواسع الذي نشهده اليوم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

كما كان للدكتور محمود أبو سنة، أحد أساتذتي في الجامعة، دور مهم في تعريفي بقدرات النماذج الرياضية والخوارزميات، ومنحي مسائل مرتبطة بتجارب واقعية، بعدما لاحظ تفوقي في المادة التي كان يدرسها.

من هنا بدأت أكتشف أن الرياضيات المتقدمة وبحوث العمليات يمكن أن تقدما حلولًا لمشكلات عملية ضخمة، وأن هناك مساحة كبيرة لتطبيق هذه العلوم داخل المؤسسات والشركات.

ما الفكرة التي دفعتك إلى تأسيس مكوك Makkook.AI؟ ولماذا قررت خوض هذه التجربة؟

الفكرة لم تظهر فجأة، وإنما كانت نتيجة تراكم تجارب ومواقف على مدار سنوات طويلة.

منذ دراستي للخوارزميات والنماذج الرياضية، كنت أعتقد أن الشركات الكبيرة تستخدم هذه الأدوات على نطاق واسع، خصوصًا أن المشكلات التي تواجهها، مثل تخطيط الإنتاج وإدارة المخزون والتوزيع، تبدو بالنسبة لي مسائل يمكن التعامل معها رياضيًا.

لكن مع دخولي إلى عالم الشركات بصورة أعمق، اكتشفت أن الواقع مختلف، وأن كثيرًا من المؤسسات الكبيرة لا تستخدم هذه العلوم بالطريقة التي توقعتها، رغم امتلاكها أنظمة تقنية متقدمة وفرقًا إدارية ذات خبرات كبيرة.

كانت نقطة التحول الأهم في عام 2019، عندما عملت مستشارًا لإحدى الشركات الصناعية الكبرى في مصر. أخبرني الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك أنهم اكتشفوا وجود هدر في الخامات والمخازن تجاوز 600 مليون جنيه خلال عام واحد.

كانت الشركة تمتلك أنظمة تقنية متقدمة، وتستخدم أدوات تحليل البيانات ولوحات المعلومات، لكن المشكلة لم تكن في غياب البيانات، وإنما في كيفية اتخاذ القرار.

عندما جلست مع المديرين والمشرفين والمهندسين، اكتشفت أن خطط الإنتاج تُعد أحيانًا بمعزل عن خطط التوزيع، وأن حركة المخازن لا تُدرس دائمًا بصورة متكاملة، وأن أثر القرار على بقية أجزاء المنظومة لا يُحسب بالضرورة عند اتخاذه.

لم يكن ذلك بسبب ضعف المديرين؛ فكان بينهم أصحاب خبرات كبيرة، وبعضهم عمل في شركات متعددة الجنسيات، لكن كل إدارة كانت تتعامل مع أهدافها في نطاقها الخاص، من دون حساب التأثير الكامل لقراراتها على المؤسسة.

الحل المتكامل يحتاج إلى نظام أكبر وفريق متخصص

هذه التجربة أعادتني إلى العلوم التي درستها قبل سنوات، ودفعتني إلى التفكير في تطوير نظام لذكاء القرار يستطيع التكامل مع الأنظمة القائمة، والحصول على البيانات بصورة لحظية، وبناء نماذج رياضية للمنظومة، ثم إجراء أعداد هائلة من المحاكاة لاختيار القرارات الأفضل في ضوء القيود والموارد المتاحة.

حاولت البحث عن شركات عالمية تقدم حلولًا جاهزة يمكن شراؤها، لكن الخيارات كانت محدودة للغاية، كما أن الشركات المتخصصة كانت تعمل مع حكومات ومؤسسات ضخمة، ولم تكن حلولها متاحة بسهولة للشركات التي نريد خدمتها.

بدأت بتطوير حلول أولية لبعض العملاء، وحققت نتائج في مشكلات محددة، لكنني أدركت أن الوصول إلى الحل المتكامل يحتاج إلى نظام أكبر وفريق متخصص يجمع بين الرياضيات المتقدمة والخبرة الصناعية وتطوير البرمجيات.

ومع توافر الإمكانات المناسبة والعثور على شريك يشاركني الرغبة في خوض هذا التحدي، بدأنا بناء الفريق والعمل على المنتج. استغرق البحث والتطوير فترة طويلة، ثم بدأنا البيع خلال فبراير ومارس من العام الذي تحدثنا فيه في الحلقة، بعد مرحلة مكثفة من التطوير.

لماذا اخترتم اسم «مكوك»؟

الاسم Makkook.AI يحمل معنيين مختلفين، وكلاهما يعبر عن جانب من رؤيتنا.

المعنى الأول هو المكوك الفضائي، وهو ارتباط بالتكنولوجيا المتقدمة القادمة من عالم يبدو بعيدًا عن الاستخدام اليومي، لكن يمكن توظيفها لحل مشكلات واقعية.

أما المعنى الثاني، فهو المكوك الموجود في ماكينات الخياطة التقليدية، الذي يساعد على تشابك الخيوط معًا لتكوين نسيج متماسك.

وهذا المعنى قريب جدًا من طبيعة عملنا؛ فنحن نحاول الربط بين القرارات المختلفة داخل المؤسسة، وبين الأقسام والعمليات التي قد تبدو منفصلة، لكنها تؤثر في بعضها بعضًا.

قد يحقق مدير المشتريات هدفه من خلال شراء خامات بكميات كبيرة للحصول على سعر أقل، لكنه في المقابل قد يجمّد جزءًا كبيرًا من السيولة في المخزون.

وقد يرفع مدير الإنتاج كفاءة خطوطه عن طريق تغيير ترتيب التشغيل، لكنه يتسبب بذلك في تأخير تسليم بعض الطلبات للعملاء.

كل مدير قد يحقق مستهدفات إدارته، ومع ذلك تنتهي السنة وتكتشف الشركة أنها لم تحقق أهدافها الإجمالية.

هنا يأتي دور مكوك في ربط هذه القرارات ببعضها، بحيث لا يُقاس نجاح القرار بناءً على أداء قسم واحد فقط، وإنما وفق أثره على المنظومة بأكملها.

كيف تشرح مكوك Makkook.AI لشخص يسمع عنها للمرة الأولى؟

في جملة واحدة، نحن نساعد المؤسسات التي لديها عمليات معقدة ومترابطة على تحقيق عوائد أعلى باستخدام الموارد نفسها.

إذا كانت المؤسسة تمتلك مصانع أو مخازن أو سلاسل إمداد أو أسطول نقل، وكانت عملياتها مترابطة بدرجة كبيرة، فإن اتخاذ قرار واحد قد يؤثر في عشرات القرارات الأخرى.

مهمتنا هي مساعدة هذه المؤسسة على تحقيق قيمة اقتصادية أكبر، سواء من خلال زيادة الإنتاج، أو تقليل الهدر، أو تحسين استغلال الموارد، أو رفع كفاءة العمليات، من دون أن يكون الحل بالضرورة هو شراء معدات جديدة أو زيادة العمالة أو توسيع المساحات.

نحن نعمل على إظهار القيمة الكامنة داخل المؤسسة، وهي قيمة قد تكون موجودة بالفعل، لكن الإدارة لا تستطيع الوصول إليها بسبب تعقيد العمليات وتداخل القرارات.

ما أبرز النتائج التي حققتها حلول مكوك Makkook.AI على أرض الواقع؟

نعمل في قطاعات مختلفة، منها الصناعة والخدمات اللوجستية والنقل والشحن وسلاسل الإمداد والتوريد في قطاع التجزئة.

وبسبب اتفاقيات السرية مع العملاء، لا يمكنني الكشف عن أسماء الشركات أو تفاصيل قد تؤدي إلى تحديد هويتها، لكن يمكنني الحديث عن بعض النتائج والأرقام.

من بين الحالات التي عملنا عليها مصنع كبير يُعد، بحسب وصفنا، من أكبر المصانع في الشرق الأوسط في مجاله، ويضم نحو 17 خط إنتاج.

طبقنا المرحلة الأولى من الحل على ثلاثة خطوط إنتاج فقط، وليس على المصنع بالكامل. وبحسب تقديراتنا التشغيلية، يُتوقع أن تحقق هذه الخطوط الثلاثة زيادة في الإنتاج تبلغ نحو 3000 طن خلال العام، أي ما يقارب 1000 طن لكل خط.

إذا احتسبنا قيمة الطن بنحو 96 ألف جنيه، فإن القيمة المرتبطة بهذه الزيادة تصل حسابيًا إلى نحو 288 مليون جنيه، وهو ما وصفته خلال الحوار بأنه يقارب 270 مليون جنيه.

هذه أرقام تخص الحالة التي تحدثت عنها، والنتيجة المتوقعة من تطبيق المرحلة الأولى على الخطوط المحددة، وليست ضمانًا بأن كل مصنع سيحقق النتيجة نفسها.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن إدارة المصنع تضم خبرات صناعية دولية كبيرة. وقد أوضح المسؤول الذي راجع عملنا أنه سبق أن تعامل مع شركات وفرق متخصصة في أوروبا وأمريكا، وأن الوصول إلى هذا النوع من الحلول كان تحديًا واجه الصناعة لسنوات.

لذلك نعتمد في عملنا على تحديد نطاق واضح للتطبيق، ثم مقارنة النتائج الفعلية بالأداء السابق، حتى يتمكن العميل من تقييم الأثر الاقتصادي بصورة عملية.

هل تستطيع مكوك خدمة المصانع الصغيرة والمتوسطة، أم أن حلولها مخصصة للمؤسسات العملاقة؟

نستطيع العمل مع المؤسسات الصغيرة والكبيرة، لكن التحدي الأساسي هو توافر البيانات التشغيلية المطلوبة بصورة منظمة، وليس حجم المؤسسة وحده.

هناك اعتقاد لدى بعض الشركات بأننا نحتاج إلى تاريخ طويل من البيانات، يمتد خمس سنوات مثلًا، حتى نستطيع بناء النظام. لكن ما نحتاج إليه في الأساس هو فهم الواقع التشغيلي للمؤسسة وقيوده ومتغيراته.

إذا كنا نتعامل مع مصنع ينتج منتجًا بسيطًا، فنحن بحاجة إلى معرفة الخامات المستخدمة، وكميات استهلاكها، ومراحل الإنتاج، والوقت الذي تستغرقه كل مرحلة، وقدرات الآلات، واستهلاك الطاقة، والبدائل المتاحة عند تعطل إحدى الماكينات، إلى جانب بيانات المخزون والتوريدات والتخزين.

هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها ضرورية لبناء نموذج رياضي يمثل طريقة عمل المؤسسة الحقيقية.

وفي بعض الحالات، لا تكون البيانات التشغيلية مكتوبة أو منظمة بصورة كافية، لذلك نعقد ورش عمل مع العميل لمساعدته على تحديد المعلومات المطلوبة وجمعها.

منتجنا، الذي نطوره تحت مسمى «دايس» (DICE)، هو نظام تشغيلي لذكاء القرار، ويحتاج إلى تهيئة تتناسب مع طبيعة كل عميل؛ لأن مصنعين ينتجان السلعة نفسها قد يختلفان في مراحل التشغيل، وقدرات المعدات، والقيود، والحالات الاستثنائية.

هدفنا هو بناء تمثيل رياضي دقيق للمنظومة، يفهم العلاقات بين متغيراتها، ويستطيع حساب أثر كل قرار على بقية العمليات.

لماذا لا تطبق الشركات هذه الحلول على نطاق واسع رغم أهميتها؟

أحد التحديات الأساسية هو ندرة الخبرات المتخصصة القادرة على الجمع بين الرياضيات المتقدمة وفهم العمليات الصناعية المعقدة.

تحدثت خلال الحلقة عن تخصص بحوث العمليات الصناعية المتقدمة، الذي يحتاج إلى مستوى عالٍ من المعرفة الرياضية، إلى جانب فهم واقعي للتفاعلات داخل المصانع والمؤسسات.

وذكرت، استنادًا إلى المعلومات والأبحاث التي أتابعها، أن عدد المتخصصين الذين تنطبق عليهم المعايير التي نعتمدها في هذا المجال محدود للغاية؛ وقدرت عددهم بنحو 12 ألف متخصص على مستوى العالم، مقابل نحو 20 في مصر.

هذه تقديرات وردت على لساني خلال الحوار، وتعكس حجم الندرة التي نواجهها في بناء هذا النوع من الفرق، وليست إحصاءً رسميًا مستقلًا أقدمه هنا.

هذا التخصص لا يعتمد على دراسة البرمجة وحدها، ولا يكفي فيه الحصول على شهادة جامعية عامة. نحن بحاجة إلى خبراء لديهم معرفة رياضية عميقة، وخبرة بحثية، وقدرة على تمثيل العمليات الواقعية وتحويلها إلى نماذج قابلة للتطبيق.

ولهذا السبب، نعتبر بناء الفريق العلمي والتقني أحد أصعب أجزاء المشروع، لأنه لا يمكن تعويض هذه الخبرات بمجرد زيادة عدد الموظفين أو شراء أدوات تقنية جاهزة.

كيف تختار مكوك فريقها، وكيف تحافظ على الكفاءات المتخصصة؟

الفريق هو أهم أصل لدينا، ولذلك أحرص على أن نبدأ باختيار كوادر قوية قادرة على بناء كوادر أخرى.

في التخصصات الدقيقة، لا يكفي أن نبحث عن شخص يمتلك مهارة تقنية جيدة؛ نحتاج إلى خبراء قادرين على تطوير المنتج، واختيار الأشخاص المناسبين، وبناء منهجية عمل تساعد الفريق كله على النمو.

ومن الأمثلة على ذلك الدكتور علي، الذي أعتبره من مؤسسي الشركة، وهو أستاذ جامعي لديه خبرة طويلة في التدريس والعمل الاستشاري، وسجل من الأبحاث والجوائز الدولية. لم ينضم إلينا بدافع الراتب أو اللقب الوظيفي، وإنما اقتنع بالرؤية وبفكرة تحويل الخبرات العلمية إلى منتج قادر على خدمة قطاعات صناعية متعددة.

وبالنسبة لي، فإن شخصية الإنسان تسبق خبرته في كثير من الأحيان. أبحث عن شخص مهذب، وقادر على التعلم، ومتقبل للتطوير، ويستطيع الاعتراف بخطئه وتصحيحه.

لهذا نستعين أيضًا بالتقييمات الشخصية والنفسية المهنية إلى جانب المقابلات التقنية؛ فقد لا يكون أحد المرشحين الأقوى في الاختبار الفني، لكنه يمتلك مقومات شخصية تجعله قادرًا على التطور وتقديم نتائج ممتازة مع الوقت.

أما الاحتفاظ بالكفاءات، فهو تحدٍ مستمر لأي شركة ناشئة. الموظف لا ينظر إلى الراتب فقط، وإنما إلى ثلاثة جوانب أساسية: المنفعة المادية، وبيئة العمل، ومساره المهني.

إذا أرادت الشركة الاحتفاظ بأفضل موظفيها، فعليها أن تجعل هذه الجوانب تتطور باستمرار، وأن تمنح الموظف شعورًا بأنه ينمو معها، وأن المؤسسة نفسها تبني شيئًا كبيرًا.

في مكوك، كنا قد أمضينا نحو عامين في بناء الفريق وقت تسجيل الحوار، وذكرت أن معدل الاحتفاظ بالكفاءات كان جيدًا، وأنه لم يكن هناك موظفون من الفريق الأساسي قد غادروا الشركة حتى ذلك الوقت.

ما خطط مكوك خلال السنوات المقبلة؟

لدينا خطة تمتد لخمس سنوات، لكن تركيزنا في المرحلة الحالية ينصب على بناء المنتج وتطويره بالتوازي مع التوسع التجاري.

خلال العام التالي للحوار، كان لدينا مستهدف لإتمام 22 مشروعًا كبيرًا جديدًا، إلى جانب الاستمرار في تطوير قدرات النظام. وهذه خطة مستهدفة وليست نتيجة تحققت بالفعل.

المنتج الذي نعمل عليه معقد، وتطويره يحتاج إلى وقت حتى لو امتلكنا فريقًا قويًا وإمكانات كبيرة. لذلك لا نريد أن يكون التوسع التجاري على حساب جودة المنتج أو قدرته على التعامل مع حالات التشغيل المختلفة.

لدينا خارطة طريق تمتد لنحو ثلاث سنوات، ويتركز هدفها على جعل المنتج أسرع في التهيئة والتطبيق لدى العملاء، بحيث لا تستغرق دراسة كل حالة وتشغيل النظام وقتًا طويلًا.

ووفقًا للخطة التي تحدثت عنها، نستهدف الوصول بحلول منتصف عام 2028 إلى منتج قابل للتهيئة بدرجة كبيرة، وقادر على العمل في أكثر من 45 قطاعًا أو مجالًا مختلفًا، خصوصًا في التصنيع وسلاسل الإمداد واللوجستيات والتجزئة.

بعد ذلك، نطمح إلى فتح المجال أمام شركاء من مختلف أنحاء العالم، يحصلون على التأهيل اللازم لتطبيق حلول مكوك لدى العملاء في أسواقهم، على غرار نماذج الشركات العالمية التي تعتمد على شبكة من الشركاء في البيع والتنفيذ.

رؤيتنا أن يتحول المنتج من حل تطوره الشركة وتطبقه بنفسها في كل مرة إلى منصة يمكن توسيع انتشارها عالميًا من خلال منظومة متكاملة من الشركاء.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT وClaude، تنفيذ ما تقدمه مكوك؟

يجب التمييز بين أنواع مختلفة من تقنيات الذكاء الاصطناعي. النماذج اللغوية الكبيرة، مثل ChatGPT وClaude وGemini، لها قدرات مهمة في فهم اللغة وتوليد المحتوى والتعامل مع المعلومات، لكن طبيعة عملها تختلف عن طبيعة النظام الذي نطوره.

النماذج اللغوية تعتمد على بنية إحصائية احتمالية، ولذلك قد تختلف مخرجاتها عند إعادة طرح السؤال نفسه في سياقات مختلفة. وفي بعض الاستخدامات، يكون ذلك مقبولًا، لكن في العمليات الصناعية الحساسة نحتاج إلى درجة عالية من الدقة والقدرة على تفسير القرار ومراجعته.

هناك أيضًا مسألة مهمة تتعلق بمسار القرار؛ فالمؤسسة لا تريد معرفة النتيجة فقط، وإنما تريد أن تفهم كيف تم الوصول إليها، وما القيود التي دخلت في الحساب، وما المتغيرات التي أثرت في الاختيار. وهذا ما يُعرف بإمكانية تتبع القرار ومراجعته.

أما نظامنا، فيعتمد في جوهره على بناء نموذج رياضي للمنظومة، ثم إجراء أعداد هائلة من المحاكاة لاختيار القرارات المناسبة في ضوء القيود والأهداف المحددة.

هذه طبيعة مختلفة عن توليد إجابة لغوية، ولذلك لا أرى أن استبدال هذه الأنظمة بالنماذج اللغوية الكبيرة أمر بسيط أو مباشر. وقد أشرت خلال الحلقة إلى أبحاث ومؤسسات بحثية تتابع هذه الفروق، لكنني أتعامل مع مستقبل التكنولوجيا باعتباره مجالًا يتطور باستمرار، وليس من الدقة إصدار حكم مطلق على ما يمكن أن تصل إليه مستقبلًا.

هل يعني تطور الذكاء الاصطناعي أن كثيرًا من الموظفين سيفقدون وظائفهم؟

من الطبيعي أن يؤثر التطور التكنولوجي في شكل الوظائف داخل مختلف الصناعات. هذا الأمر لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي وحده، فقد تغيرت الهياكل الوظيفية في مراحل سابقة مع ظهور تقنيات جديدة.

نعم، قد تختفي بعض المهام والوظائف أو يتغير شكلها، لكن في المقابل ستظهر فرص جديدة، وستتغير طبيعة المهارات التي تحتاج إليها المؤسسات.

أنا لا أريد أن ينشغل الشباب، خصوصًا الذين لا يزالون في الجامعة أو في بداية حياتهم المهنية، بالخوف من أن الذكاء الاصطناعي سيجعلهم بلا عمل. الأهم أن يركز كل شخص على فهم المجال الذي يعمل فيه بعمق.

هناك فرق بين أن تعرف كيفية أداء مهمة محددة، وأن تفهم فلسفة العمل نفسه، وأسباب اتخاذ القرارات، والعلاقات بين عناصره، والمشكلات التي يحتاج إلى حلها.

إذا كنت خبيرًا في طبيعة عملك، وتفهم كيف تسير العمليات ولماذا تُتخذ القرارات، فستكون لديك قدرة أكبر على التعامل مع الأدوات الجديدة، بل وقد تصبح الشخص الذي تحتاج إليه المؤسسات لتطوير هذه الأدوات وتوجيهها.

في مكوك نفسها، نحتاج إلى خبراء من قطاعات صناعية مختلفة، لأننا لا نستطيع بناء نموذج جيد لعملية إنتاج أو منظومة لوجستية من دون فهم عميق لطبيعة عملها.

أما مسؤولية إعداد العاملين للتغيرات القادمة، فهي مسؤولية مشتركة بين الشركات والحكومات والمؤسسات التعليمية والجهات المعنية بتطوير المهارات والسياسات.

كيف تساعد مكوك الشركات على التعامل مع التعقيد في التصنيع والنقل والتوزيع؟

دعنا نتخيل مصنعًا للأثاث يتعامل مع معرض لديه 30 فرعًا في أنحاء الجمهورية. إذا كان كل فرع يبيع 20 فاتورة يوميًا، وتحتوي الفاتورة في المتوسط على قطعتين، فإن المصنع سيواجه طلبات يومية كبيرة ومتنوعة، تتضمن مقاسات وألوانًا وخامات وتعديلات مختلفة.

على المصنع أن يحول هذه الطلبات إلى خطة إنتاج قابلة للتنفيذ، مع مراعاة الخامات الموجودة في المخازن، وقدرات خطوط الإنتاج، وأعداد العمال، ومواعيد التوريد، والسيولة المتاحة، ومواعيد التسليم المتفق عليها مع العملاء.

قد يستطيع مدير المصنع إعداد خطة تضمن خروج المنتجات في النهاية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الخطة هي الأفضل من الناحية الاقتصادية. فقد يؤدي ترتيب التشغيل إلى إهدار خامات، أو تأخير طلبات، أو ضعف استغلال بعض المعدات والموارد.

المشكلة نفسها تظهر في قطاع النقل واللوجستيات. تخيل شركة لديها آلاف الشحنات ومئات أو آلاف المركبات، وتحتاج إلى توزيع الطلبات ورسم المسارات وتحديد المركبة المناسبة لكل شحنة، مع الالتزام بمواعيد التسليم والقيود التشغيلية.

وتظهر أيضًا في شركات التجزئة التي لديها عشرات أو مئات الفروع، بينما لا يكفي المخزون المتاح لتلبية كل الطلبات. هنا يصبح السؤال: كيف توزع الكميات المتاحة على الفروع بطريقة تحقق أهداف الشركة، بدلًا من اتخاذ قرارات منفصلة بناءً على ضغط كل فرع؟

هذه مسائل تتداخل فيها متغيرات كثيرة، ويصبح من الصعب على العقل البشري وحده حساب جميع الاحتمالات والآثار المترتبة على كل قرار.

هنا نعمل على تمثيل المنظومة رياضيًا، وإجراء المحاكاة اللازمة، ثم اختيار القرارات التي تحقق أفضل نتيجة ممكنة وفقًا للأهداف والقيود التي يحددها العميل.

كيف تبدأ الشركة الراغبة في الاستفادة من مكوك؟

نبدأ بخطوات بسيطة لتقييم طبيعة النشاط والمشكلات التي يواجهها العميل. نتعرف أولًا على القطاع الذي يعمل فيه، ثم نحدد طبيعة عملياته والاختلافات الموجودة داخل الصناعة نفسها.

بعد ذلك، نساعد العميل على تحديد المجالات التي يمكننا تحسينها، والأرقام التي ينبغي قياسها، والمؤشرات التي يمكن استخدامها لتقييم النتائج.

ومن المهم أن تكون لدى العميل صورة واضحة عن الأداء الحالي؛ فمثلًا يمكن قياس كفاءة المعدات، والالتزام بمواعيد التسليم، ومستويات الهدر، وغيرها من المؤشرات المرتبطة بطبيعة نشاطه.

ثم نحدد نطاقًا مناسبًا للتطبيق التجريبي، أو ما نطلق عليه «بايلوت»، ونتفق مسبقًا على المؤشرات التي سنقيسها.

بعد تنفيذ التجربة، نقارن النتائج بالأداء السابق، ونحسب العائد الاستثماري بناءً على الأرقام الفعلية، حتى يستطيع العميل تقييم القيمة التي حققها النظام قبل اتخاذ قرار بالتوسع.

هذه الخطوة مهمة خصوصًا للشركات التي لم يسبق لها التعامل مع هذا النوع من الحلول؛ لأنها تمنحها فرصة لتقييم النتائج ضمن نطاق محدد بدلًا من اتخاذ قرار استثماري كبير من البداية.

ما العائد الاستثماري الذي يمكن أن تحققه الشركات من حلول مكوك؟

خلال الحوار، ذكرت أن أقل عائد استثماري تحقق في إحدى الحالات التي عملنا عليها بلغ نحو 300%، وفقًا لطريقة الحساب التي اعتمدناها في تلك الحالة.

وضربت مثالًا افتراضيًا للتوضيح: إذا دفع العميل 100 ألف جنيه، فإن القيمة المرتبطة بالعائد قد تصل إلى 300 ألف جنيه، بحسب تعريف العائد وطريقة احتسابه في الحالة المعنية.

كما أشرت إلى وجود حالات أخرى سجلت عوائد أعلى بكثير، وصلت في بعضها إلى نسب ذكرتها خلال الحوار، من بينها 7000%، لكن هذه الأرقام تخص حالات محددة ولا ينبغي تعميمها على جميع العملاء أو القطاعات.

السبب في ذلك أن قيمة التحسين تختلف من مؤسسة إلى أخرى؛ فهناك شركات لديها هدر كبير يمكن تقليله، وأخرى لديها طاقة إنتاجية غير مستغلة، أو مشكلات في إدارة المخزون أو التوزيع أو تخطيط الإنتاج.

لهذا نركز على قياس الوضع الحالي، وتحديد المشكلة بدقة، ثم حساب الأثر الناتج عن الحل بدلًا من تقديم وعود عامة لا تستند إلى أرقام قابلة للمراجعة.

ما الذي تحتاج إليه شركة مصرية مثل مكوك حتى تنافس شركات التكنولوجيا العالمية؟

هناك جانب داخلي يتعلق بالشركة نفسها، وجانب خارجي يتعلق بالبيئة التي تعمل فيها.

على المستوى الداخلي، نحتاج إلى مواصلة تطوير المنتج، وبناء الفريق، وتوفير التمويل اللازم للبحث والتطوير؛ لأن تطوير نظام بهذا التعقيد يتطلب استثمارات ووقتًا.

أما على المستوى الخارجي، فنحتاج إلى زيادة الوعي لدى متخذي القرار في المؤسسات بأن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أدوات المحادثة وتوليد المحتوى. هناك حلول أخرى تستهدف مشكلات تشغيلية معقدة، ويمكن أن تحقق قيمة اقتصادية كبيرة.

كذلك نحتاج إلى قيادات إدارية قادرة على قيادة التغيير داخل المؤسسات. أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب التكنولوجيا أو في عدم اقتناع الإدارة العليا، وإنما في وجود مديرين يخشون أن يؤدي النظام الجديد إلى تقليص نفوذهم داخل المؤسسة.

عندما يعتمد العمل على خبرات فردية غير موثقة، قد يصبح وجود شخص بعينه شرطًا لاستمرار العمليات. لكن عندما تتحول المعرفة إلى نظام يساعد على اتخاذ القرار، تصبح المؤسسة أقل اعتمادًا على الأفراد، وأكثر قدرة على الاستمرار والتطور.

هذا لا يعني أن الهدف هو الاستغناء عن العاملين، وإنما تمكين المؤسسة من إدارة مواردها بصورة أفضل، وتوجيه الموظفين إلى أعمال أكثر إنتاجية.

كيف يمكن للحكومة دعم الشركات المصرية التي تطور حلولًا تقنية قادرة على المنافسة عالميًا؟

أعتقد أن هناك حاجة إلى أن تنظر الجهات الحكومية والمؤسسات الكبرى بصورة أكثر انفتاحًا إلى الشركات المصرية التي تطور حلولًا تقنية متقدمة، وأن تمنحها فرصًا حقيقية لإثبات قدرتها على حل مشكلات قائمة.

لدينا في مصر شركات ومطورون قادرون على تقديم حلول مهمة، سواء في الذكاء الاصطناعي أو البرمجيات أو غيرها من المجالات. والمطلوب هو أن تتعرف المؤسسات على هذه الإمكانات، وتدرس ما يمكن أن تقدمه، وتمنحها الفرصة للعمل على مشكلات واقعية.

خلال الحلقة، تحدثت عن حل تقني طوّرته مع فريق من المتخصصين، وجرى بيعه وتطبيقه في السعودية. وعندما عرضت الفكرة على جهات مصرية، اقترحت إتاحته لها من دون مقابل للترخيص أو التطوير، على أن تتحمل الجهة تكاليف البنية التحتية اللازمة لتشغيله. ومع ذلك، لم يتحول العرض إلى تعاون فعلي حتى وقت الحديث.

كما تحدثت عن تجربة أخرى، عندما تواصل معي ممثل إحدى الشركات المصرية الكبرى لمناقشة حل يمكن أن نقدمه، ثم علمت لاحقًا أن الشركة اتجهت إلى مزود أمريكي يقدم حلًا مشابهًا بتكلفة، بحسب تقديري، أعلى بنحو عشرة أضعاف.

هذه التجارب تجعلني أؤكد أهمية الثقة في الشركات المحلية، ومنحها الفرصة لتقديم حلولها، خصوصًا عندما تكون قادرة على تلبية الاحتياجات بتكلفة أقل.

لا أقول إن كل شركة مصرية تستطيع تنفيذ كل شيء، أو إن الحل المحلي أفضل في جميع الحالات، لكن من الضروري أن يكون التقييم قائمًا على الكفاءة والنتائج والتكلفة، وأن تكون هناك مساحة لتجربة الحلول المصرية بدلًا من استبعادها قبل اختبارها.

ما نصيحتك للشباب الذي يريد تحويل فكرته إلى مشروع ناجح؟

هناك مناهج معروفة لريادة الأعمال، تبدأ باختبار الفكرة والتأكد من إمكانية تنفيذها، ودراسة احتياجات السوق، والتحقق من أن المنتج يقدم قيمة حقيقية. وهذه خطوات مهمة ويجب الالتزام بها.

لكن من واقع تجربتي، أرى أن التحدي الأكبر في كثير من الأحيان يكون في الشخص نفسه، وقدرته على الاستمرار والتعامل مع الصعوبات.

إذا كنت مؤمنًا بفكرتك لأنك درستها، ولديك أدلة على أنها تقدم قيمة حقيقية، وليست مجرد فكرة تحبها أو تتحمس لها، فعليك أن تكون مستعدًا لبذل مجهود أكبر من المعتاد، وتحمل الانتقادات والتشكيك.

أنا شخصيًا مررت بتجارب نجحت وأخرى فشلت، واكتشفت أن بعض المشروعات التي حققت نجاحًا كبيرًا كانت تلك التي شعرت فيها بأنني مضطر إلى إيجاد حل، وأنه لا يوجد أمامي بديل سهل.

أتذكر عندما كنت أفتتح أول فرع لمطعمي، وكنت قد استنفدت معظم أموالي واقترضت من أفراد أسرتي. في يوم من الأيام، طلب أحد العاملين مبلغًا بسيطًا لتغطية مصروفات مرتبطة بالافتتاح، ولم يكن معي المبلغ المطلوب. كنت وقتها أشعر بأن نجاح المشروع ضرورة حقيقية، وليس مجرد تجربة يمكنني تركها والانتقال إلى غيرها بسهولة.

لا أقول إن على كل رائد أعمال أن يضع نفسه في ظروف مالية صعبة، وإنما أقصد أن الالتزام الحقيقي بالمشروع، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والقدرة على مواصلة العمل عندما تصبح الأمور صعبة، كلها عوامل مهمة.

وفي الوقت نفسه، لا بد من التفكير المنطقي، والابتعاد عن الانحياز للفكرة لمجرد أننا نحبها. يجب أن تكون مصلحة المشروع هي الأساس، وأن نبحث باستمرار عن القيمة الحقيقية التي نقدمها للعميل.

ما رسالتك لأصحاب المصانع والشركات الذين يريدون استخدام الذكاء الاصطناعي؟

نصيحتي لهم هي ألا يتبنوا التكنولوجيا لمجرد أنها أصبحت تريندًا، وألا يبدأوا بالسؤال عن أكبر حل أو أحدث تقنية، قبل أن يحددوا المشكلة التي يريدون حلها.

أحيانًا يأتي صاحب مصنع ويقول إنه يريد تطبيق الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يستطيع تحديد ما الذي يحتاج إلى تحسينه، أو كيف سيقيس نجاح المشروع، أو ما العائد المتوقع منه.

في هذه الحالة، لا ينبغي أن يبدأ بالإنفاق على التكنولوجيا، وإنما عليه أولًا أن يفهم نشاطه، ويحدد أولوياته، ويحسب الأرقام المرتبطة بالمشكلة.

كذلك يجب على الإدارة ألا تنحاز إلى الشخص الأعلى صوتًا داخل المؤسسة. فقد يضغط مدير قسم من أجل تلبية احتياجات إدارته، بينما تكون هناك أولويات أخرى أكثر أهمية للمؤسسة كلها.

المطلوب هو الاستماع إلى الأرقام والمنطق، وتقييم أثر القرارات على المؤسسة ككل، لا على إدارة منفردة.

التكنولوجيا أداة لتحقيق أهداف العمل، وليست هدفًا مستقلًا في حد ذاتها. وإذا لم تكن هناك مشكلة واضحة وقيمة قابلة للقياس، فلن يؤدي استخدام أحدث التقنيات بالضرورة إلى نتيجة جيدة.

أخيرًا.. هل تستطيع الشركات المصرية بناء منتجات تنافس عمالقة التكنولوجيا؟

أنا مؤمن بأن الشركات المصرية لديها القدرة على تطوير منتجات قوية والمنافسة عالميًا، لكن هذا يحتاج إلى العمل المستمر، والاستثمار في البحث والتطوير، وبناء فرق متخصصة، إلى جانب وجود مؤسسات مستعدة لمنح هذه الشركات فرصًا حقيقية.

لا يمكن أن نطالب الشباب والشركات الناشئة ببناء منتجات عالمية، ثم لا نمنحهم فرصة التطبيق أو اختبار الحلول التي يطورونها.

إذا أردنا بناء شركات تكنولوجية كبيرة، فعلينا أن نثق في الكفاءات الموجودة لدينا، وأن نسمح لها بالتجربة والتعلم والتطور، وأن نقيمها على أساس النتائج التي تحققها.

رسالتي للشباب هي ألا يجعلوا الخوف من المستقبل عائقًا أمامهم، وأن يركزوا على التعلم العميق وفهم المشكلات الحقيقية، وأن يجمعوا بين الإيمان بالفكرة والقدرة على اختبارها بصورة موضوعية.

أما رسالتي لأصحاب الأعمال، فهي أن يركزوا على القيمة التي يحتاج إليها نشاطهم، وأن يتخذوا قراراتهم بناءً على البيانات والأهداف الواضحة، لا على التريندات أو الضغوط.

نحن في مصر لدينا عقول قوية، وشركات تستطيع تقديم حلول مهمة. وما نحتاج إليه هو الفرصة والدعم والثقة، إلى جانب العمل الجاد والاستثمار طويل الأجل، حتى تتمكن هذه الشركات من النمو والمنافسة في الأسواق العالمية.

شاهدوا الحوار كاملًا

يمكنكم مشاهدة الحلقة الكاملة من بودكاست «كن تك» مع المهندس محمود حجاب، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مكوك (Makkook.AI)، للتعرف على رحلته في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال، ورؤيته لمستقبل ذكاء القرار وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشركات والمؤسسات.

📹 شاهدوا الحلقة كاملة في الفيديو التالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى