كشفت دراسة علمية حديثة عن تحدٍ متزايد يواجه أمن الإنترنت، بعدما أظهرت أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تعجز عن التمييز بين البشر والأنظمة الآلية، حتى عندما تتولى نماذج ذكاء اصطناعي أخرى مهمة كشف هويتها.
وتثير هذه النتائج تساؤلات حول مدى فاعلية أدوات الكشف الآلية في مواجهة الحسابات المزيفة وعمليات التضليل الإلكتروني.
وأجرى باحثون من جامعة باريس سيتي الفرنسية تجربة لاختبار قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على اكتشاف ما إذا كان الطرف الآخر في المحادثة إنسانًا حقيقيًا أم روبوت دردشة.
وأظهرت النتائج أن النماذج لم تتمكن من كشف سوى 3 حالات من أصل 98 اختبارًا، وفقًا لما أورده تقرير العربية Business المنشور في 28 أكتوبر 2026.
وتسلط الدراسة الضوء على التطور الكبير في قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد أساليب التواصل البشري، كما تكشف عن صعوبة الاعتماد على المحادثات النصية وحدها لتحديد هوية المتحدث.
دراسة تختبر قدرة الذكاء الاصطناعي على كشف الروبوتات
استلهم الباحثون فكرتهم من اختبار تورينغ، الذي طرحه عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ عام 1950 لبحث قدرة الآلات على إقناع البشر بأنها تتصرف مثلهم.
لكن الدراسة الجديدة طرحت سؤالًا مختلفًا: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف أن الطرف الذي يتحدث معه ليس إنسانًا، حتى إذا كان هذا الطرف يستخدم نموذجًا متطورًا قادرًا على تقليد البشر؟
للإجابة عن هذا السؤال، اختبر الباحثون سبعة نماذج للذكاء الاصطناعي، من بينها ChatGPT 4.5 وClaude 3.7 Sonnet وGemini 2.5 Pro وGrok 3.
وطُلب من هذه النماذج أداء دور المحقق، من خلال إجراء محادثات نصية ومحاولة تحديد هوية الطرف الآخر.
وسُمح لكل نموذج بطرح ما يصل إلى 10 أسئلة، مع التنبيه إلى احتمال تقديم إجابات مضللة خلال المحادثة.
وشملت التجربة 20 متطوعًا بشريًا، إلى جانب نماذج الذكاء الاصطناعي السبعة التي شاركت في الاختبارات
. وكان الهدف هو معرفة مدى قدرة الأنظمة على التمييز بين الإجابات البشرية والردود التي تنتجها الآلات.
كيف نجحت روبوتات الدردشة في تقليد البشر؟
اعتمدت الدراسة على طريقتين مختلفتين لتوجيه نماذج الذكاء الاصطناعي التي طُلب منها تقمص شخصية بشرية.
في الاختبار الأول، تلقت النماذج تعليمات مختصرة تطلب منها التصرف كأنها إنسان.
أما الاختبار الثاني، فاعتمد على وصف تفصيلي لشخصية افتراضية لشاب يبلغ من العمر 21 عامًا.
وتضمنت الشخصية المفترضة مجموعة من التفاصيل اليومية، مثل ممارسة الركض والعزف على البوق ضمن موسيقى الجاز، إلى جانب التحفظ في الحديث وارتكاب بعض الأخطاء الإملائية البسيطة.
وكان الهدف من إضافة هذه التفاصيل هو جعل الإجابات أكثر طبيعية، بحيث لا تبدو مثالية أو منظمة بصورة تثير الشك.
وأظهرت النتائج أن استخدام الشخصية التفصيلية ساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تقليد البشر بدرجة أكبر.
ووفقًا للتقرير، لم يتمكن المشاركون من كشف أي نموذج في الاختبارات التي استخدمت فيها هذه الشخصية.
كما حصلت النماذج الآلية، في المتوسط، على تقييمات تشير إلى أنها تبدو أكثر شبهًا بالبشر مقارنة بالمشاركين البشريين الفعليين.
لماذا فشلت النماذج في اكتشاف الذكاء الاصطناعي؟
أوضحت نتائج الدراسة أن بعض المؤشرات التي قد تساعد على الاشتباه في هوية روبوتات الدردشة لا تكون كافية دائمًا.
ففي الحالات القليلة التي كُشفت فيها النماذج، بدت بعض الإجابات منظمة أكثر من اللازم، واتسمت بصياغة دقيقة قد تجعل المحادثة أقل شبهًا بالتواصل البشري المعتاد.
لكن إضافة تفاصيل شخصية وطريقة تعبير أكثر عفوية ساعدت على تقليل هذه الفروق.
وأشار التقرير إلى أن متوسط طول إجابات النماذج التي استخدمت الشخصية التفصيلية بلغ نحو 39 كلمة، مقابل 38 كلمة لدى المشاركين البشر.
ويعكس هذا التقارب مدى صعوبة الاعتماد على طول الإجابات وحده لتحديد ما إذا كان المتحدث إنسانًا أم آلة.
ومن التفاصيل التي أوردها التقرير أن نموذج Claude رفض في البداية التظاهر بأنه إنسان، قبل أن يوضح الباحثون أن هذا السلوك يأتي ضمن تجربة بحثية.
وتوضح هذه النتائج أن قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على تقليد البشر لا تعتمد فقط على تقديم إجابات صحيحة.. بل تشمل أيضًا محاكاة أسلوب الحديث والتفاصيل الشخصية وطريقة صياغة الرسائل.
مخاطر متزايدة على أمن الإنترنت
تكتسب نتائج الدراسة أهمية خاصة مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء المحتوى وإدارة المحادثات عبر الإنترنت.
فقد تُستخدم روبوتات الدردشة في تشغيل حسابات مزيفة، أو نشر معلومات مضللة.. أو التفاعل مع المستخدمين بطريقة تجعلهم يعتقدون أنهم يتحدثون إلى أشخاص حقيقيين.
وتزداد المخاطر عندما تصبح هذه الأنظمة قادرة على تجاوز اختبارات الكشف التي تعتمد بدورها على نماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون استخدام أداة آلية واحدة كافيًا للتحقق من هوية الحسابات أو الرسائل.
وتشير الدراسة إلى ضرورة تطوير وسائل تحقق إضافية، بدلًا من الاعتماد الكامل على قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على تحليل النصوص واكتشاف الأنماط غير المعتادة.
ومن بين الحلول التي يقترحها الباحثون استخدام التوقيعات المشفرة التي تساعد على التحقق من مصدر الرسائل أو هوية الأنظمة.. إلى جانب الاستعانة بالرقابة البشرية عند الحاجة.
ومع ذلك، لا تعني نتائج التجربة أن جميع أدوات كشف الذكاء الاصطناعي عديمة الفائدة.. بل تشير إلى محدودية أسلوب الكشف الذي اختبرته الدراسة.. والحاجة إلى وسائل حماية أكثر تنوعًا.
اختبار تورينغ يواجه تحديًا جديدًا
بعد مرور 76 عامًا على طرح اختبار تورينغ، أصبح التحدي أكثر تعقيدًا مع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج محادثات يصعب تمييزها عن التواصل البشري.
فبينما ركز الاختبار الأصلي على قدرة الآلة على إقناع الإنسان بأنها تفكر مثله، تبحث الدراسة الجديدة في قدرة الآلات نفسها على اكتشاف بعضها بعضًا.
وتكشف النتائج عن فجوة مهمة بين تطور قدرات المحادثة لدى الذكاء الاصطناعي وقدرة أنظمة الكشف على تحديد هويته بدقة.
وفي ظل توسع استخدام هذه التقنيات في الخدمات الرقمية ومنصات التواصل.. تبرز أهمية التحقق من مصادر الرسائل والحسابات، وعدم اعتبار الأسلوب الطبيعي أو الإجابات المقنعة دليلًا كافيًا على أن الطرف الآخر إنسان حقيقي.
وتؤكد الدراسة أن مواجهة الحسابات المزيفة والمحتوى المضلل تحتاج إلى مزيج من التقنيات الأمنية وآليات التحقق والرقابة البشرية.. خصوصًا مع استمرار تطور قدرة روبوتات الدردشة على محاكاة السلوك البشري.










