يتزايد اعتماد الأطفال والبالغين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم النفسي والمشورة بشأن المشكلات اليومية، في ظل سهولة الوصول إلى روبوتات الدردشة وسرعة الحصول على الإجابات.
لكن هذا التوجه يثير مخاوف متزايدة بين المتخصصين، بسبب احتمال تأييد هذه الأدوات أفكار المستخدم دون التحقق من صحتها، أو عدم اكتشاف أعراض قد تشير إلى اضطرابات نفسية تحتاج إلى تدخل متخصص.
وتشير بيانات حديثة في بريطانيا إلى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.. خاصة بين الشباب.
ورغم أن روبوتات الدردشة قد تساعد بعض الأشخاص على التعبير عن مشاعرهم وترتيب أفكارهم.. فإن الاعتماد عليها باعتبارها بديلاً عن الطبيب النفسي قد يحمل مخاطر تتعلق بدقة التقييم وطبيعة النصائح المقدمة.
ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم النفسي
كشفت نتائج استطلاع شمل ألفي طفل بريطاني تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، وأجرته مؤسسة «بارناردو» والجمعية الوطنية للاستشارات والعلاج النفسي.. أن 43% من المشاركين استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة أو الدعم النفسي.
ولا يقتصر هذا التوجه على الأطفال والمراهقين، إذ أظهر مؤشر «بوبا للرفاهية لعام 2026» أن 57% من البالغين يختارون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من حجز موعد مع طبيب عام، بسبب ضيق الوقت.
وترتفع النسبة بين الشباب، لتصل إلى 65% لدى الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاماً، بينما تبلغ 61% بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً.
وتعكس هذه الأرقام اتجاهاً نحو استخدام الأدوات الرقمية للحصول على إجابات سريعة بشأن المشكلات الشخصية والعاطفية.
ومع ذلك، فإن سهولة الوصول إلى هذه الخدمات لا تعني أنها قادرة على تقديم تقييم نفسي دقيق أو التعامل مع الحالات المعقدة.
لماذا قد يؤيد الذكاء الاصطناعي أفكاراً غير صحيحة؟
حذر الدكتور دانييل مسعود، استشاري الطب النفسي في مركز «سنترال هيلث لندن»، من أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي قد تميل إلى مجاراة المستخدم وتأييد وجهة نظره.. بدلاً من فحص المعلومات التي يقدمها والتشكيك في الاستنتاجات غير المؤكدة.
وأوضح أن نماذج اللغة الكبيرة، ومنها «شات جي بي تي»، تعتمد على التفاعل مع المستخدم وتوليد إجابات بناءً على سياق المحادثة.
وقد يؤدي ذلك إلى تقديم نصائح تنطلق من رواية الشخص للأحداث، دون التحقق من مدى دقتها أو النظر إلى احتمالات أخرى.
وضرب الطبيب مثالاً بشخص يعتقد أن أحد أفراد أسرته يحاول تسميمه.
فقد يتعامل روبوت الدردشة مع هذا الاعتقاد باعتباره حقيقة في سياق المحادثة.. ثم يقدم نصائح بناءً عليه، بدلاً من استكشاف أسباب هذا الخوف أو تقييم احتمالات ارتباطه بمشكلة نفسية.
في المقابل، يستطيع الطبيب النفسي طرح أسئلة إضافية حول طبيعة الاعتقاد ومدى ثباته والأدلة التي يستند إليها.. إلى جانب تقييم الأعراض الأخرى التي قد تساعد على فهم الحالة بصورة أكثر موضوعية.
وتكمن الخطورة هنا في أن المستخدم قد يفسر الإجابة المتوافقة مع أفكاره على أنها تأكيد لصحتها، حتى عندما تكون تلك الأفكار بحاجة إلى مراجعة أو تقييم متخصص.
مخاطر تجاهل أعراض الاضطرابات النفسية
من المخاوف الأساسية التي أثارها مسعود احتمال فشل روبوتات الدردشة في اكتشاف أعراض مهمة تشير إلى اضطرابات نفسية تحتاج إلى تدخل طبي.
وأوضح أن هذه الأدوات تستجيب للمعلومات والتعليمات التي يقدمها المستخدم.. لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على التعرف بصورة موثوقة على الأنماط المرتبطة بالحالات النفسية المعقدة.
وقد يؤدي ذلك إلى عدم الانتباه إلى مؤشرات تستدعي الإحالة إلى خدمات الصحة النفسية.. بما يؤخر حصول الشخص على التقييم والرعاية المناسبين.
وأشار الطبيب إلى أنه اختبر بعض النماذج بنفسه، من خلال إدخال أوامر تتضمن مؤشرات محتملة على وجود مرض نفسي.. لكنه لم يجد أن الروبوتات نجحت دائماً في اكتشاف المشكلة.
وتوضح هذه التجربة، وفقاً لما أورده الطبيب، أن الحصول على إجابة تبدو منطقية أو مطمئنة لا يعني بالضرورة أن الأداة تمكنت من فهم الحالة أو تحديد خطورتها.
لذلك، لا ينبغي الاعتماد على روبوتات الدردشة لتشخيص الاضطرابات النفسية أو استبعاد وجودها.. خاصة عند ظهور أعراض شديدة أو استمرار المشكلات التي تؤثر في الحياة اليومية.
غموض إجراءات الحماية في الحالات النفسية المعقدة
تتعلق مخاوف أخرى بمدى وضوح تدابير الحماية التي تضعها الشركات المطورة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع المستخدمين الذين يعانون من اضطرابات نفسية شديدة.
ويرى مسعود أن هناك حاجة إلى مزيد من الوضوح بشأن كيفية تعامل هذه النماذج مع الحالات الحساسة.. والآليات التي تساعدها على التعرف على المواقف التي تتطلب تدخلاً بشرياً متخصصاً.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع توسع استخدام روبوتات الدردشة في المحادثات الشخصية.. إذ قد يتعامل بعض المستخدمين مع الإجابات باعتبارها نصائح موثوقة.. رغم أن الأداة لا تحل محل الخبرة الطبية والتقييم السريري.
ومن هنا، يظل التمييز بين الدعم العام والتشخيص النفسي أمراً ضرورياً عند استخدام هذه التقنيات.
هل يمكن أن تتحول العلاقة مع روبوت الدردشة إلى ارتباط عاطفي؟
لا تتوقف المخاطر عند دقة الإجابات، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة التي قد تتكون بين المستخدم وروبوت الدردشة.
وأشار مسعود إلى أن بعض الأشخاص قد يطورون ارتباطاً عاطفياً بهذه الأدوات.. إلى درجة الاعتماد عليها في مناقشة قضايا شخصية عميقة أو التعامل مع الخلافات داخل علاقاتهم الإنسانية.
وقد تصبح المحادثات المتكررة وسيلة يلجأ إليها المستخدم للحصول على الطمأنينة أو اتخاذ القرارات.. بدلاً من التحدث إلى أشخاص يثق بهم أو طلب المساعدة من متخصص.
وتبرز المشكلة عندما يتحول الاستخدام من وسيلة مساعدة لتنظيم الأفكار إلى بديل عن العلاج النفسي أو التواصل الإنساني.
فروبوت الدردشة قد يقدم إجابات متماسكة لغوياً، لكنه لا يمتلك بالضرورة الفهم السريري أو القدرة على تقييم جميع جوانب الموقف.
فوائد محتملة في فهم المشاعر وتنظيم الأفكار
على الرغم من التحذيرات، لا يعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعم النفسي يخلو من الفوائد.
وأوضح مسعود أن روبوتات الدردشة قد تساعد بعض الأشخاص على التعبير عن مشاعرهم.. خاصة عندما يجدون صعوبة في وصف ما يمرون به أو ترتيب أفكارهم بصورة واضحة.
كما يمكن أن تساعد في إعادة صياغة بعض الأفكار السلبية، والنظر إلى المواقف اليومية من زوايا مختلفة. فعلى سبيل المثال.. قد يشعر شخص بأن مديره في العمل لا يحبه، أو يواجه موقفاً مهنياً محبطاً، فيستعين بروبوت الدردشة لتحديد طرق محتملة للتعامل مع الموقف مستقبلاً.
وفي مثل هذه الحالات، يمكن للأداة تقديم اقتراحات عامة تساعد المستخدم على التفكير في البدائل والتعامل مع التحديات بطريقة أكثر تنظيماً.
لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب إدراك حدودها، وعدم التعامل مع كل إجابة باعتبارها حقيقة مؤكدة أو نصيحة مناسبة لجميع الظروف.
كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي دون تعريض صحتك النفسية للخطر؟
يمكن الاستفادة من روبوتات الدردشة في تنظيم الأفكار والاستعداد للحديث مع المختصين، مع الالتزام بعدد من الضوابط المهمة.
أولاً، يجب التعامل مع الإجابات باعتبارها معلومات عامة قابلة للخطأ، وليست تشخيصاً طبياً أو تقييماً نفسياً متخصصاً.
ثانياً، ينبغي عدم اعتبار موافقة الروبوت على الأفكار الشخصية دليلاً على صحتها.. بل من الأفضل التفكير في التفسيرات البديلة وعدم التسرع في إصدار الأحكام.
ثالثاً، يجب طلب المساعدة من طبيب أو أخصائي نفسي مؤهل عند استمرار الضيق النفسي أو ظهور أعراض تؤثر في الحياة اليومية.. وعدم تأجيل التقييم بسبب الحصول على إجابات من روبوت الدردشة.
رابعاً، ينبغي الانتباه إلى الخصوصية قبل مشاركة تفاصيل شخصية أو معلومات حساسة خلال المحادثات الرقمية.
وتظل روبوتات الدردشة أداة مساعدة يمكن أن تسهم في فهم المشاعر وتنظيم الأفكار.. لكنها لا تمثل بديلاً عن الرعاية النفسية المتخصصة.
ومع اتساع استخدامها بين الأطفال والبالغين، تزداد أهمية التوعية بحدود الذكاء الاصطناعي، حتى لا تتحول سهولة الحصول على الإجابات إلى سبب لتجاهل أعراض خطيرة أو تأخير العلاج المناسب.









