أثار الكاتب الأمريكي توماس فريدمان مخاوف جديدة بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، محذرًا من أن العالم قد يواجه أزمة كبيرة إذا لم يتم التعامل مبكرًا مع التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع دخول هذه النماذج المتقدمة في أيدي جهات قد لا تتعامل معها بالقدر الكافي من المسؤولية.
وجاءت هذه التحذيرات في مقال حديث لفريدمان بصحيفة «نيويورك تايمز» حمل عنوان «It’s time to cry wolf»، وهي عبارة تشير إلى قصة الصبي الذي اعتاد إطلاق تحذيرات كاذبة من وجود ذئب، حتى جاء الخطر الحقيقي ولم يعد أحد يصدقه.
توماس فريدمان: أفضل أن أبالغ في التحذير
يرى توماس فريدمان أن التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي قد يبدو مبالغًا فيه بالنسبة إلى البعض، لكنه يفضل أن يُذكر باعتباره شخصًا بالغ في التحذير من الخطر، بدلًا من أن يلتزم الصمت ثم تظهر تطورات خطيرة لا يكون العالم مستعدًا للتعامل معها.
ويربط فريدمان بين المخاوف الحالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ودروس أزمات كبرى شهدها العالم، مشيرًا إلى تجربته في تغطية أحداث 11 سبتمبر وجائحة كوفيد-19.
وبحسب الطرح الذي قدمه الكاتب، فإن بعض أكبر الكوارث التي تابعها ارتبطت بفشل في تخيل السيناريو الأسوأ قبل وقوعه، وهو ما يدفعه إلى التساؤل حول مدى استعداد العالم لمواجهة المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي.
مخاطر الذكاء الاصطناعي تتجاوز الجانب التقني
لا يركز فريدمان في طرحه على تطور نماذج الذكاء الاصطناعي من الناحية التقنية فقط، وإنما يلفت الانتباه بصورة أكبر إلى مسألة الحوكمة وكيفية التعامل مع هذه التقنيات عندما تصبح أكثر قوة وانتشارًا.
ويشير الطرح إلى أن النماذج الذكية أصبحت أكثر قدرة، في الوقت الذي قد تقع فيه هذه الأدوات في أيدي جهات غير منضبطة.. ما يفتح الباب أمام مخاطر يصعب توقع نطاقها بالكامل.
كما يرى فريدمان أن الشركات الكبرى في الولايات المتحدة والصين قد لا تكشف بصورة كاملة عن مدى محدودية فهمها للقوة التي يمكن أن تصل إليها الأنظمة التي يتم تطويرها داخل مختبراتها.
وهنا يتحول النقاش من سؤال «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمن يمتلك هذه التقنيات.. وكيف تتم مراقبتها، وما القواعد التي تحكم استخدامها.
حوكمة الذكاء الاصطناعي في صدارة المخاوف
تعد حوكمة الذكاء الاصطناعي من أبرز النقاط التي يركز عليها فريدمان.. إذ يرى أن التعامل مع المخاطر المحتملة يحتاج إلى تنسيق طويل ومستمر بين الدول، وليس مجرد إجراءات مؤقتة يتم اتخاذها بعد وقوع الأزمات.
وتزداد صعوبة هذا الأمر في ظل التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.. خاصة أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد المجالات الرئيسية للمنافسة التكنولوجية بين البلدين.
ويرى فريدمان أن حالة انعدام الثقة بين واشنطن وبكين تجعل الوصول إلى تعاون عميق في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة.. رغم أن المخاطر المحتملة للتكنولوجيا قد تتجاوز حدود دولة واحدة.
اقتراح للتعاون بين أمريكا والصين
رغم صعوبة تحقيق تعاون شامل في مجال الذكاء الاصطناعي، يطرح فريدمان خطوة عملية يمكن البدء بها.. تتمثل في تعاون الولايات المتحدة والصين لحماية البنية التحتية الحيوية.
وتشمل هذه البنية شبكات الكهرباء والمياه والإنترنت، وهي قطاعات تعتمد عليها المجتمعات الحديثة بصورة أساسية.. ويمكن أن يؤدي تعرضها لهجمات أو اضطرابات واسعة النطاق إلى تأثيرات تتجاوز القطاع التكنولوجي نفسه.
ويرى الطرح أن التعاون في حماية هذه البنية التحتية يمكن أن يمثل نقطة بداية عملية.. حتى في ظل استمرار المنافسة بين البلدين في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لماذا تزداد أهمية سلامة الذكاء الاصطناعي؟
مع الانتشار المتزايد لنماذج الذكاء الاصطناعي، لم تعد المخاوف مقتصرة على دقة الإجابات أو الأخطاء التي قد تنتج عنها.. وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بكيفية استخدام هذه النماذج والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
وتبرز هنا أهمية وضع أطر واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي بشأن المخاطر التي يمكن أن تتجاوز الحدود الجغرافية.
ويطرح مقال فريدمان سؤالًا رئيسيًا حول قدرة صانعي القرار على التحرك قبل وقوع أزمة كبيرة، بدلًا من انتظار ظهور الخطر ثم محاولة احتوائه.
الذكاء الاصطناعي بين المنافسة الدولية والتعاون
يمثل الذكاء الاصطناعي حاليًا أحد أبرز مجالات التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى.. لكن المخاطر المرتبطة به قد تفرض في الوقت نفسه الحاجة إلى قدر من التعاون الدولي.
ومن هذا المنطلق، يضع فريدمان صانعي القرار أمام معادلة صعبة: كيف يمكن للدول أن تتعاون بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي.. بينما تتنافس في الوقت نفسه على تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها في المجالات الاقتصادية والاستراتيجية؟
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع استمرار تطور قدرات النماذج الذكية وانتشار استخدامها في قطاعات مختلفة.. الأمر الذي يجعل الحوكمة والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.
وفي النهاية، يعيد طرح فريدمان سؤال «الذئب» إلى الواجهة: هل تؤدي كثرة التحذيرات إلى تجاهل الخطر الحقيقي عندما يظهر.. أم أن التحذير المبكر هو الوسيلة الأفضل للاستعداد لسيناريوهات قد يصعب التعامل معها بعد وقوعها؟










