بقلم: د. محمد علي – استشاري التحول الرقمي والأمن السيبراني
في كل صباح، يمسك الإنسان هاتفه قبل أن يغسل وجهه إشعارات لا تنتهي، رسالة من البنك، تحديث لتطبيق حكومي، إعلان عن خدمة رقمية جديدة، خبر عن الذكاء الاصطناعي الذي سيغير العالم، وحديث متواصل عن التحول الرقمي الذي لا يتوقف منذ سنوات.
ثم يغلق الهاتف وينظر حوله للحظة ليطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، إذا كانت التكنولوجيا تتقدم بهذه السرعة، فلماذا لا تزال الحياة اليومية صعبة؟
لماذا لا تزال الخدمة بطيئة، والإجراءات مطولة والخطأ الصغير قادراً على تعطيل الأمور وارباكك لأيام؟
هذا السؤال لا يعكس تشاؤماً ولا عداءً للتكنولوجيا بل وعياً متزايداً بالفجوة بين الخطاب الرقمي اللامع وبين ما يقدم في الواقع اليومي.
المشكلة ليست في التكنولوجيا… بل في الفكرة السائدة عنها
فالحقيقة التي لا تحظى بشعبية كبيرة هي ان التكنولوجيا وحدها لا تحسن حياة البشر، فأكبر خطأ شائع هو الاعتقاد بأن امتلاك أنظمة حديثة أو تطبيقات متطورة يعني بالضرورة تحقيق التقدم، فالحقيقة أبسط وأكثر صرامة من ذلك وهي أن التكنولوجيا ليست سوى أداة، نعم هي أداة قوية بلا شك، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا استخدمت دون إعادة تفكير جذرية في طريقة العمل والإجراءات القائمة.
فلا يمكن الاعتماد على التكنولوجيا دون الانسان المفكر الذكي، فالإنسان يظل هو العنصر الحاسم في تفكيره وقراره وطريقة توظيفه للتكنولوجيا.
قد تمتلك دولة أحدث المنصات الرقمية، وقد يحمل المواطن أحدث الأجهزة، لكن إن بقيت العقلية الإدارية كما هي فلن يتغير شيء
وقد شهد العالم نماذج عديدة لدول أنفقت ملايين على أنظمة رقمية متقدمة، ثم اكتشفت أن المواطن ما زال ينتظر، والبيانات تتكرر، وطالب الخدمة يدور في الحلقة المفرغه نفسها… ولكن هذه المرة عبر الإنترنت.
التحول الرقمي ليس تطبيقاً الكترونياً او تكنولوجيا منفرده… بل إعادة تعريف لاجرءات العمل
يختزل البعض مفهوم التحول الرقمي في وجود موقع إلكتروني بدل الشباك، او تطبيق ذكي بدل الموظف، او حتى رسالة نصية بدل الختم، لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو مجرد نقل التعقيد الورقي ذاته إلى شاشة رقمية ذات الوان، وتظل الإجراءات نفسها والتسلسل نفسه والتأخير نفسه… لكن بصيغة إلكترونية.
وهنا تنشأ فجوة التوقعات فالمواطن الذي انتظر تحسناً حقيقياً يصطدم بواقع مختلف ويخرج بانطباع سلبي عن الرقمنة نفسها، لا عن طريقة تطبيقها.
أين يكمن الخلل الحقيقي؟
الخلل لا يعود إلى ضعف التكنولوجيا بل إلى محاور اساسية منها في المقام الاول رقمنة إجراءات خاطئة،
فعندما تكون الإجراءات معقدة من الأساس فإن رقمنتها لا تعالج المشكلة بل تسرعها.
ومن ضمن المحاول الاساسية ايضاً للخل المنظور هو تجاهل تجربة طالب الخدمة، فالتكنولوجيا الفعالة تصمّم من منظور متطلبات واحتياجات المستخدم النهائي طالب الخدمة، لا من منظور النظام أو الجهة فقط.
واخر المحاور الاساسية والتي تسبب الخلل تتمثل في الفجوة بين التطور التقني والجاهزية البشرية
الأنظمة تتطور بسرعة، لكن التدريب لا يواكب والثقافة التنظيمية لا تتغير ومقاومة التغيير والمقاومة والخوف من التغيير يظل حاضراً في كل نقلة حضارية.
لماذا تنجح دول… وتتعثر أخرى؟
التجارب الناجحة في التحول الرقمي لم تبدأ بشراء التكنولوجيا، بل بدأت بإعادة التفكير في الخدمة ذاتها من خلال تبسيط الإجراءات وإزالة الخطوات غير الضرورية وبناء الثقة مع طالب الخدمة، ثم جاءت التكنولوجيا كوسيلة لتحقيق هذا الهدف لا كغاية مستقلة.
لهذا نرى دولاً تنجز تأسيس الشركات في دقائق وتجري التصويت الإلكتروني للقرارات وتنجز الغالبية العظمى من الخدمات الحكومية دون زيارة أي مكتب، ليس بسبب امتلاكها سحراً تقنياً، بل لأنها طرحت سؤالاً جوهرياً قبل بناء أي نظام وهو كيف نسهل؟ وكيف نقلل التعقيد؟
في المقابل، تعثرت بيئات أخرى لأنها ركزت على الشكل، لا الجوهر.. فهناك أنظمة إلكترونية متقدمة ظاهرياً، لكنها ما زالت تتطلب مكالمة هاتفية، أو إجراءً جانبياً، أو زيارة ميدانية في النهاية.
متى يشعر المواطن فعلاً بأن التكنولوجيا حسنت حياته؟
الإجابة لا تأتي في تقارير الأداء، بل في شعور بسيط عندما يدرك طالب الخدمة أن وقته له قيمة، وأن الخطأ يمكن تصحيحه وأن بياناته ليست سلعة، في تلك اللحظة لن يتحدث عن تحول رقمي بل سيقول عبارة واحدة تختصر كل شيء.. في جملة واحدة وهي تتردد داخله وتخبره بان الدنيا بقت أسهل.
التكنولوجيا تتقدم نعم، لكن تحسّن الحياة لا يقاس بعدد التطبيقات، ولا بحجم الميزانيات.. بل بسؤال واحد حاسم هل خدمت التكنولوجيا الإنسان… أم طلبت منه أن يتأقلم معها؟










