خيّم الحزن على الوسط الإعلامي المصري، بعد إعلان وفاة الإذاعي الكبير فهمي عمر، أحد أبرز رموز الإذاعة المصرية، يوم الثلاثاء 25 فبراير 2026، عن عمر ناهز 98 عامًا، بعد رحلة طويلة من العطاء المهني والإعلامي، أسهم خلالها في تشكيل الوعي الإذاعي وصناعة تاريخ لا يُنسى عبر أثير الإذاعة.
ويعد الراحل واحدًا من القامات الإعلامية النادرة التي جمعت بين الحضور الطاغي، والانضباط المهني، والقدرة على التأثير، حيث ارتبط اسمه في أذهان المستمعين بالمقولة الأشهر «هنا القاهرة»، التي تحوّلت إلى أيقونة إذاعية خالدة، وصارت عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ الإعلام المصري.
نشأة مبكرة وحلم تغيّر مساره
ولد فهمي عمر في 6 مارس عام 1928 بقرية الرئيسية التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا.. ونشأ في بيئة صعيدية محافظة غرست فيه الالتزام والانضباط منذ الصغر.
التحق بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، وتخرج فيها عام 1949، وكان يحلم في بداية حياته المهنية بالعمل في سلك النيابة العامة.. إلا أن شغفه بالكلمة والصوت دفعه إلى تغيير مساره نحو الإعلام.
بداية المشوار داخل الإذاعة المصرية
في مطلع خمسينيات القرن الماضي، التحق الراحل بالإذاعة المصرية بعد اجتيازه اختبارات القبول بتفوق لافت.. ليبدأ رحلة طويلة داخل مبنى الإذاعة، حيث سرعان ما أثبت جدارته، بفضل صوته الرصين، وثقافته الواسعة.. وقدرته على إدارة الحوار والإلقاء بأسلوب متميز.
شاهد على لحظة فارقة في تاريخ مصر
ارتبط اسم فهمي عمر بأحد أهم الأحداث في التاريخ المصري الحديث، إذ كان المذيع الذي قدّم الرئيس الراحل أنور السادات لإلقاء بيان ثورة 23 يوليو 1952 من ميكروفون الإذاعة، وهو ما منح صوته حضورًا خاصًا في الذاكرة الوطنية، باعتباره شاهدًا على لحظة تحول كبرى في تاريخ الدولة المصرية.
تدرّج وظيفي وصولًا إلى رئاسة الإذاعة
تدرّج الإذاعي الكبير في المناصب داخل الإذاعة المصرية، حتى تولّى منصب رئيس الإذاعة خلال الفترة من عام 1982 وحتى عام 1988، حيث قاد مرحلة مهمة من التطوير المهني والتنظيمي، وحرص على ترسيخ قواعد صارمة للأداء الإعلامي، قائمة على احترام اللغة، ودقة المعلومة، والانضباط في العمل.
وخلال فترة رئاسته، كان له دور بارز في اكتشاف وصقل مواهب إذاعية شابة، تحوّل كثير منها لاحقًا إلى أسماء لامعة في سماء الإعلام.
«ساعة لقلبك» وبصمة خالدة في وجدان المستمعين
يعد برنامج «ساعة لقلبك» من أبرز العلامات في مسيرة فهمي عمر، حيث مثّل هذا البرنامج نافذة مهمة لاكتشاف نجوم الكوميديا والفن، وكان منصة انطلاق لعدد من كبار الفنانين، بفضل الرؤية الإبداعية التي تمتع بها الراحل، وإيمانه بدور الإذاعة في صناعة النجومية.
الأب الروحي للإذاعة الرياضية
لم تقتصر إسهامات فهمي عمر على البرامج الاجتماعية والفنية فقط، بل امتدت إلى المجال الرياضي.. حيث ينظر إليه باعتباره الأب الروحي للتعليق الرياضي الإذاعي، وصاحب فكرة إنشاء إذاعة الشباب والرياضة.. التي شكّلت نقلة نوعية في تناول الشأن الرياضي عبر الأثير.
حضور برلماني وخدمة عامة
إلى جانب عمله الإعلامي، خاض الراحل تجربة العمل البرلماني، حيث انتُخب عضوًا بمجلس الشعب المصري لعدة دورات متتالية عن دائرة نجع حمادي، وأسهم من موقعه في طرح قضايا مجتمعية وخدمية، مستفيدًا من خبرته الطويلة وحضوره العام.
مدرسة إعلامية وإنسانية
كما عُرف فهمي عمر بانضباطه الشديد وحرصه الدائم على نقل خبراته للأجيال الجديدة، حتى بات مدرسة إعلامية متكاملة.. تتلمذ على يديه عشرات المذيعين والإعلاميين، الذين ما زالوا يستلهمون منه قيم المهنية واحترام عقل المستمع.
وداع قامة إذاعية كبيرة
برحيل فهمي عمر، تفقد مصر واحدًا من أهم الأصوات التي صنعت تاريخ الإذاعة، وشاركت في تشكيل وجدان أجيال كاملة.
وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الإعلام المصري، بوصفه رمزًا للكلمة المسؤولة، والصوت الصادق، والالتزام الذي لا يتغير مع الزمن.










