من قاعات التدريب إلى عاصمة الإبداع: عقول مصرية تتوّج بالذهب في المنتدى الأفرواسيوي وتستعد لكتابة فصل جديد بأسوان 2026″
من حلم صغير إلى إنجاز قاري في المنتدى الأفرواسيوي للابتكار والتكنولوجيا

في صباحٍ استوائي من أكتوبر الماليزي، كانت القاعة الكبرى في جامعة مالايا تضجُّ بحماسٍ شبابيٍّ لا يهدأ. أصوات التصفيق تختلط بلغاتٍ متعددة، وشاشات العرض تمتلئ بشفراتٍ رقمية ورسومٍ متحركة وأفكارٍ تُجسّد المستقبل.
وسط هذا الزخم، علت الأعلام المصرية، فخفق القلب قبل اليد، وأعلنت لجنة التحكيم: “المركز الأول… مصر!”
بداية الحكاية: من قاعات التدريب إلى مسارح العالم
قبل أشهرٍ طويلة من تلك اللحظة، كانت البداية هادئة في قاعات المعهد القومي للاتصالات (NTI). هناك، لم يكن الطلاب يتعلّمون البرمجة فقط، بل كانوا يكتشفون أنفسهم.
أجهزة الحاسوب تعمل حتى ساعات المساء، والمدربون يجلسون بجانب الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية والعشرين، يحلّون المسائل، ويبتكرون، ويتنافسون بحبٍّ وشغف.
كانت المسابقة بالنسبة إليهم أكثر من تحدٍّ أكاديمي؛ كانت رحلة لاكتشاف القوة الكامنة في العقول المصرية.
وبينما كانت فرق من محافظات القاهرة والإسكندرية وبورسعيد وأسيوط وقنا تتدرّب عبر المراحل الثلاث للمسابقة الوطنية، كان حلم الوصول إلى كوالالمبور يكبر يومًا بعد يوم.
الوزير: الاستثمار في الإنسان أولًا
حين أعلن الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، نتائج المشاركة المصرية، لم تكن الأرقام وحدها ما لفت الأنظار — بل الفلسفة التي تقف خلفها.
فقد أكّد أن هذا الإنجاز ليس وليد صدفة، بل ثمرة رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري وتمكينه من أدوات العصر الرقمي.
وأشار إلى أن اختيار مصر لاستضافة المنتدى القادم بأسوان عام 2026 يُعد تتويجًا لمكانتها الإقليمية كمركز للتميز والإبداع التكنولوجي في القارة السمراء.
من جهة أخرى، شدّد الوزير على أن تمكين الشباب من الابتكار هو أساس بناء الاقتصاد الرقمي الوطني، فـ”العقول هي الثروة الحقيقية”، كما قال.
بين دعمٍ وطني وشراكة ملهمة
وراء كل نجاح منظومة.
فالمعهد القومي للاتصالات لم يكن وحده في الميدان، إذ جاء الدعم التقني الكامل من الشركة المصرية للاتصالات WE، التي قدّمت الرعاية والمساندة للفرق المشاركة، من التدريب إلى الدعم اللوجستي، حتى صارت المشاركة المصرية الأضخم في تاريخ المنتدى.
وكان هذا التكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص نموذجًا عمليًا لكيفية صناعة إنجاز وطني جماعي يفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب الموهوب.
من المنافسة إلى التأثير العالمي
في كوالالمبور، لم يكن حضور مصر حضورَ متسابقٍ فقط، بل حضورَ قائدٍ وصانعِ أثر.
فقد حصدت الفرق المصرية 68 جائزة في المراكز الثلاثة الأولى، منها 19 جائزة للمركز الأول في مجالاتٍ متقدمة مثل البرمجيات، الأمن السيبراني، ريادة الأعمال، والروبوتات الذكية.
ولم يتوقف التكريم عند حدود الجوائز، إذ فاز عددٌ من المشاركين المصريين بفرص تدريب دولية في شركات أمريكية وتركية وماليزية، إلى جانب منح دراسية في جامعات عالمية.
نحو المستقبل: أسوان 2026… عبق الحضارة يلتقي بروح الابتكار
مع اختتام فعاليات المنتدى، كان الخبر الأبرز اختيار مصر لاستضافة النسخة القادمة عام 2026 بمحافظة أسوان.
المدينة التي تحمل في حجارتها تاريخ الفراعنة ستتحوّل إلى عاصمة عالمية للإبداع التكنولوجي، تجمع بين الماضي المجيد والمستقبل الرقمي الواعد.
هناك، على ضفاف النيل، سيجتمع شباب إفريقيا وآسيا من جديد، يحملون الحواسيب بدل السيوف، والأفكار بدل الشعارات، ليكتبوا فصلًا جديدًا من قصة الحضارة المصرية الحديثة.
من المحلية إلى العالمية
إن ما صنعه شباب مصر في المنتدى الأفرواسيوي ليس مجرد إنجازٍ عابر، بل علامة مضيئة في مسار التحول الرقمي الوطني.
لقد أثبتوا أن الاستثمار في العقول لا يثمر ميداليات فقط، بل يبني وطنًا يعرف طريقه نحو المستقبل بثقة.
كما قال أحد الطلاب المشاركين وهو يرفع الكأس الذهبية:
“لم نسافر إلى ماليزيا لنحلم… بل سافرنا لنُثبت أن الحلم المصري أصبح حقيقة.”










