الأخبار

محمد حجازي استشاري التشريعات الرقمية وتأجيل قانون الإجراءات الجنائية..خطوة نحو تطبيق أكثر دقة

أعاد تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام طرح تساؤلات مهمة حول الطريقة التي يتم بها إعداد القوانين الحديثة.. خاصة القوانين التي ترتبط بصورة مباشرة بحقوق المواطنين وإجراءات التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «التشريعات الذكية» باعتباره أحد الاتجاهات التي تدعو إلى التعامل مع القانون باعتباره منظومة متكاملة.. لا تقتصر على صياغة النصوص القانونية فقط.

فنجاح أي تشريع لا يعتمد على قوة مواده، وإنما يرتبط أيضًا بمدى استعداد المؤسسات لتنفيذه، وقدرتها على توفير الأدوات البشرية والتقنية اللازمة لذلك.

ويعني هذا التوجه أن إصدار القانون يجب أن يسبقه قدر كافٍ من الدراسة والتحليل.. مع معرفة النتائج المحتملة على الجهات التي ستتولى التنفيذ وعلى المواطنين الذين سيخضعون لأحكامه.

ما المقصود بالتشريعات الذكية؟

يشير مفهوم التشريعات الذكية إلى تطوير عملية صناعة القانون بحيث تعتمد على التخطيط المسبق.. وتحليل الآثار المتوقعة، والاستفادة من آراء الخبراء والممارسين، ثم متابعة النتائج بعد بدء التطبيق.

وبذلك، لا يتوقف دور المشرّع عند الانتهاء من صياغة القانون وإصداره، بل يمتد إلى التأكد من أن البيئة المحيطة به مستعدة للتعامل مع أحكامه الجديدة.

وتزداد أهمية هذا النهج عندما يكون التشريع مرتبطًا بالتكنولوجيا.

فإدخال الإعلانات الإلكترونية أو إجراءات التقاضي عن بُعد أو الأدلة الرقمية إلى المنظومة القضائية يحتاج إلى ضوابط واضحة وبنية تقنية مناسبة وتدريب للعاملين.

لذلك، فإن التطوير القانوني والتكنولوجي يحتاجان إلى التحرك في اتجاه واحد، حتى لا يؤدي غياب أحدهما إلى مشكلات عند التنفيذ.

تقييم الأثر قبل إصدار القانون

من أبرز عناصر التشريعات الذكية إجراء تقييم شامل للآثار المحتملة قبل دخول القانون حيز التنفيذ.

ولا يقتصر هذا التقييم على الجانب القانوني، بل يمكن أن يشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتقنية أيضًا.

فمن الضروري معرفة الموارد المطلوبة لتنفيذ التشريع، والتكلفة المتوقعة، ومدى قدرة الجهات المختلفة على التعامل مع الإجراءات الجديدة.

كما يساعد تقييم الأثر في اكتشاف النقاط التي قد تسبب صعوبات عملية بعد بدء التنفيذ.

وبذلك يمكن معالجة هذه النقاط في مرحلة مبكرة بدلًا من انتظار ظهورها على أرض الواقع.

وتصبح هذه الخطوة أكثر أهمية في القوانين التي تتضمن تغييرات واسعة في إجراءات العمل داخل المؤسسات، لأن أي نقص في الاستعداد قد ينعكس على سرعة الإجراءات ودقتها.

التدرج في تطبيق الإجراءات الجديدة

يُعد التدرج من الأفكار الأساسية التي يمكن أن تساعد في تطبيق التشريعات الحديثة بصورة أكثر تنظيمًا.

وفي حالة قانون الإجراءات الجنائية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب ارتباط القانون بحقوق المتهم وضمانات المحاكمة العادلة.

فإدخال وسائل إلكترونية جديدة إلى الإجراءات القضائية يحتاج إلى التأكد أولًا من اكتمال القواعد التي تنظم استخدامها.. إلى جانب اختبار الأنظمة التقنية والتأكد من قدرتها على العمل بصورة مستقرة.

كما يجب تحديد المسؤوليات بوضوح في حال حدوث مشكلة تقنية.. ووضع إجراءات بديلة تضمن استمرار العمل وعدم الإضرار بحقوق أطراف القضية.

ومن هنا، فإن استخدام التكنولوجيا داخل منظومة العدالة لا يرتبط بمجرد توفير الأجهزة والبرمجيات.. وإنما يحتاج إلى إطار قانوني وفني متكامل.

أهمية الاستماع إلى الخبراء والممارسين

تحتاج عملية تطوير التشريعات إلى الاستفادة من الخبرات الموجودة على أرض الواقع.

فالخبراء القانونيون والقضاة والمحامون والمتخصصون في التكنولوجيا يمكنهم رصد تفاصيل قد لا تظهر بسهولة أثناء إعداد النصوص القانونية.

ويظهر ذلك بوضوح في الموضوعات المتعلقة بالإعلانات الإلكترونية والتقاضي عن بُعد والأدلة الرقمية.

فالتطبيق العملي لهذه الوسائل قد يكشف عن تحديات تتعلق بإثبات وصول الإخطار.. أو حماية البيانات، أو التأكد من سلامة المستندات والبيانات الإلكترونية.

ولهذا يمكن أن يمثل الحوار مع المتخصصين مرحلة مهمة لاختبار الإجراءات الجديدة قبل تعميمها.

كما أن مشاركة أصحاب المصلحة تساعد في تحويل الملاحظات العملية إلى حلول يمكن تضمينها في القواعد التنفيذية أو الإجراءات المنظمة للعمل.

تأجيل القانون فرصة للمراجعة والاستعداد

يمكن النظر إلى تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام باعتباره فترة إضافية تسمح بمراجعة الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من الاستعداد.

وخلال هذه الفترة، يمكن العمل على استكمال البنية التحتية المطلوبة.. وتطوير الأنظمة الإلكترونية، وتدريب العاملين، ومراجعة الإجراءات التي ستتغير بعد دخول القانون حيز التنفيذ.

كما يمكن وضع مؤشرات واضحة لقياس مدى جاهزية الجهات المختلفة قبل بدء التطبيق الفعلي.

ولا يتعلق الأمر بالتجهيزات التقنية وحدها، لأن التدريب البشري يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي تحول داخل المؤسسات.

فوجود نظام إلكتروني متطور لا يضمن وحده نجاح التطبيق إذا لم يكن المستخدمون قادرين على التعامل معه بكفاءة.

حماية البيانات وحجية الأدلة الإلكترونية

تفرض عملية التحول الرقمي في المجال القضائي مجموعة من القضايا التي تحتاج إلى معالجة دقيقة.

ومن أهم هذه القضايا حماية البيانات، خاصة عندما تتضمن الملفات القضائية معلومات شخصية أو بيانات حساسة.

لذلك، يجب أن تتوافر قواعد واضحة تحدد كيفية التعامل مع هذه البيانات وحمايتها من الوصول غير المصرح به.

كذلك تبرز مسألة حجية الأدلة الإلكترونية، إذ يحتاج التعامل مع المستندات والبيانات الرقمية إلى ضوابط تضمن سلامتها وإمكانية التحقق من مصدرها وعدم العبث بها.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين التشريع والتكنولوجيا.

فالتقنيات الحديثة يمكن أن تسهم في تطوير العمل القضائي، لكن استخدامها يحتاج إلى قواعد تضمن حماية الحقوق وتحدد كيفية الاعتماد عليها.

التكنولوجيا ليست الهدف الوحيد

لا يعني الاتجاه نحو التشريعات الذكية رفض التكنولوجيا أو تعطيل التطوير.

على العكس، يمكن للتكنولوجيا أن تقدم أدوات مهمة لتحديث العمل القضائي وتسهيل الإجراءات.

لكن نجاح التحول الرقمي يحتاج إلى أن تسير التكنولوجيا إلى جانب التشريع والتدريب والبنية التحتية.

ولهذا فإن التطبيق المتدرج يمكن أن يوفر فرصة لاختبار الأنظمة.. ورصد المشكلات، وإجراء التعديلات اللازمة قبل الانتقال إلى التطبيق الكامل.

كما تساعد المتابعة بعد بدء التنفيذ على معرفة ما إذا كانت الإجراءات تحقق الأهداف المطلوبة.. وما إذا كانت هناك نقاط تحتاج إلى تعديل أو تطوير.

التشريعات الذكية تبدأ قبل إصدار القانون

توضح فكرة التشريعات الذكية أن نجاح القانون لا يبدأ من لحظة نشره، وإنما من المراحل السابقة على إصداره.

فالدراسة المسبقة، وتقييم الأثر، والاستماع إلى المتخصصين، والتأكد من جاهزية المؤسسات، كلها عناصر يمكن أن تقلل من المشكلات التي قد تظهر عند التطبيق.

ويقدم تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام فرصة لإعادة النظر في الجوانب العملية المرتبطة بالتنفيذ.. واستكمال الاستعدادات اللازمة، مع وضع ضوابط واضحة للتعامل مع التكنولوجيا داخل منظومة العدالة.

وفي النهاية، لا يتمثل الهدف في تأخير التطوير، وإنما في الوصول إلى تطبيق أكثر تنظيمًا يحافظ على ضمانات المحاكمة العادلة.. ويحمي البيانات، ويحدد قيمة الأدلة الإلكترونية، ويضمن قدرة المؤسسات على تنفيذ الإجراءات الجديدة بكفاءة.

وبذلك يصبح مفهوم التشريعات الذكية قائمًا على معادلة متوازنة تجمع بين تحديث القوانين.. والاستفادة من التكنولوجيا، والاستعداد المؤسسي، والاستماع إلى الخبرات العملية، مع استمرار المراجعة بعد التطبيق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى