الوصف التعريفي (Meta Description): نموذج OpenAI تجريبي يحقق تقدماً لافتاً في مسألة نافير-ستوكس عبر برهان من 165 صفحة، بمشاركة آلاف وكلاء الذكاء الاصطناعي خلال 88 ساعة.
نموذج OpenAI يحقق تقدماً في مسألة رياضية معقدة
حقق نموذج تجريبي جديد من شركة OpenAI تقدماً لافتاً في التعامل مع واحدة من أصعب المسائل الرياضية المفتوحة، بعدما تمكن من إنتاج برهان لمسألة «نافير-ستوكس»، التي تعد واحدة من «مسائل جائزة الألفية» التي وضعها معهد كلاي للرياضيات.
ويأتي هذا التطور في وقت تتسارع فيه قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي في مجالات الاستدلال والبحث العلمي، إلا أن النتيجة التي أعلنت عنها OpenAI لا تعني حتى الآن أن المسألة حُسمت بصورة نهائية، إذ لا يزال البرهان بحاجة إلى مراجعة مستقلة من متخصصين في الرياضيات.
وتزداد أهمية الإعلان لأن النموذج الذي استخدمته الشركة في هذه التجربة لم يتم طرحه للمستخدمين في السوق حتى الآن، كما قالت OpenAI إن أداءه في حل المسائل الرياضية يتجاوز بفارق كبير أداء نموذج «GPT-6 Astra» الذي أطلقته قبل أيام.
ما هي مسألة نافير-ستوكس؟
تُعد مسألة «نافير-ستوكس» واحدة من أكثر المسائل الرياضية شهرة وصعوبة، وترتبط بالمعادلات المستخدمة لوصف حركة السوائل والغازات.
ويتركز التحدي الرياضي في معرفة طبيعة الحلول التي تنتجها هذه المعادلات في ثلاثة أبعاد.
ضوالسؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الحلول تحافظ دائماً على انتظامها، أم يمكن أن تصل خلال فترة زمنية محدودة إلى حالة تفقد فيها هذا الانتظام.
وفي الحالة الثانية يمكن أن تظهر ما تعرف رياضياً بـ«التفرد»، حيث قد تصبح بعض القيم في المعادلات غير محدودة.
ولهذا السبب ظلت المسألة محل اهتمام علماء الرياضيات لأكثر من عقدين.. وأصبحت واحدة من أبرز التحديات التي يسعى الباحثون إلى إثباتها أو الوصول إلى إجابة رياضية حاسمة بشأنها.
مسألة ضمن تحديات جائزة الألفية
أعلن معهد كلاي للرياضيات عام 2000 عن سبع مسائل رياضية أطلق عليها اسم «مسائل جائزة الألفية».. مع تخصيص مليون دولار لكل مسألة يتم حلها وفق المعايير العلمية المعتمدة.
وعلى مدار أكثر من عشرين عاماً، لم يتم حسم سوى مسألة واحدة من هذه القائمة، وهي «حدسية بوانكاريه»، التي تمكن عالم الرياضيات الروسي غريغوري بيرلمان من إثباتها.
أما «نافير-ستوكس» فما زالت ضمن المسائل المفتوحة، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير بالتقدم الذي حققه نموذج OpenAI الجديد.. رغم أن إثبات الحل بصورة نهائية يتطلب المرور بمراحل علمية دقيقة.
برهان يصل إلى 165 صفحة
بحسب المعلومات التي أعلنتها OpenAI، أنتج النموذج برهاناً رياضياً يمتد إلى 165 صفحة، إلى جانب صياغة رسمية يمكن فحصها والتحقق من خطواتها باستخدام الحاسوب.
وتتعلق الفكرة التي توصل إليها النموذج باحتمال ظهور حالة من التفرد خلال فترة زمنية محدودة.
ولتوضيح طبيعة السيناريو، قدمت الشركة مثالاً لدوامة من سائل تبدأ بحركة منتظمة، ثم تستمر في الانكماش مع ارتفاع سرعة دورانها.
ومع استمرار هذا السلوك يمكن أن تصل السرعة إلى اتجاه غير محدود، وهو ما يرتبط في الرياضيات بما يعرف باسم «الانفجار في زمن محدود».
لكن وجود برهان مكتوب بهذا الحجم لا يكفي وحده لإعلان حل المسألة. فالنتيجة تحتاج إلى تدقيق ومراجعة من علماء رياضيات مستقلين، للتأكد من صحة جميع الخطوات والنتائج التي يتضمنها البرهان.
10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي شاركوا في التجربة
كشفت OpenAI أيضاً عن حجم الموارد الحاسوبية التي استخدمت خلال عملية البحث.. إذ شارك في التجربة ما يصل إلى 10 آلاف وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه.
واستمرت عملية البحث لنحو 88 ساعة، بعدما بدأ المشروع في الأول من سبتمبر بهدف محاولة التعامل مع المسائل الست المتبقية من مسائل جائزة الألفية.
في البداية، لم يكن فريق الباحثين يتوقع أن يتمكن النظام من حل أي من هذه المسائل. لكن بعد مرور نحو 50 ساعة، ظهر تقدم غير متوقع في مسألة «نافير-ستوكس».
وبناءً على هذا التقدم، قرر الباحثون زيادة الموارد الحاسوبية المخصصة للمشروع.
وارتفع عدد الوكلاء المشاركين من نحو 100 إلى 10 آلاف وكيل، ما سمح للنظام بمواصلة البحث في المسألة على نطاق أكبر.
ملايين الرسائل ومليارات الرموز
لم تتوقف التجربة عند تشغيل عدد كبير من وكلاء الذكاء الاصطناعي، بل تضمنت عملية بحث مكثفة على مدار عشرات الساعات.
ووفقاً لما أعلنته OpenAI، أرسل النظام خلال فترة العمل نحو 2.7 مليون رسالة، كما استخدم ما يقارب 130 مليار رمز.
واكتمل البرهان يوم السبت، قبل أن يخضع في اليوم التالي لعملية تحقق حاسوبي، في خطوة تهدف إلى اختبار الصياغة الرياضية والتأكد من إمكانية فحصها آلياً.
ويعكس هذا الحجم من العمل الطريقة التي بدأت بها نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في التعامل مع مسائل البحث المعقدة.. حيث لا يعتمد النظام فقط على إجابة واحدة، وإنما يمكنه الاستمرار في البحث وتجربة المسارات المختلفة وتقييم النتائج.
أداء يتفوق على GPT-6 Astra
قالت OpenAI إن النموذج التجريبي الجديد حقق نتائج أعلى بفارق كبير من «GPT-6 Astra» في مجموعة من اختبارات الرياضيات الداخلية.
وبحسب الأرقام التي أعلنتها الشركة، تمكن نموذج «Astra» من حل نحو 10% من المسائل المستخدمة في الاختبارات، بينما اقترب النموذج التجريبي الجديد من حل نصف هذه المسائل.
ويشير هذا الفارق إلى تطور واضح في قدرات النموذج على التعامل مع المسائل الرياضية.. خصوصاً أن الرياضيات المتقدمة تتطلب أكثر من مجرد استرجاع المعلومات.. فهي تعتمد على بناء خطوات منطقية متسلسلة والوصول إلى نتائج يمكن التحقق منها.
وقال كبير العلماء في OpenAI، ياكوب باتشوكي، إن الباحثين لم يكونوا يتوقعون قبل شهر واحد فقط أن يجدوا أنفسهم أمام حديث يتعلق بإمكانية حل إحدى مسائل جائزة الألفية.
منافسة قوية في أبحاث الذكاء الاصطناعي
يأتي إعلان OpenAI بالتزامن مع تصاعد المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي في مجالات الاستدلال الرياضي والبحث العلمي.
وفي هذا السياق، نشر أحد الباحثين في شركة Anthropic، بالتعاون مع أستاذ للرياضيات في جامعة نيويورك، بحثاً يتناول مسألة مرتبطة بديناميكيات السوائل.
وأثار ذلك تساؤلات حول إمكانية استفادة نموذج OpenAI من أبحاث سابقة خلال مرحلة التدريب.
ونفت OpenAI أن يكون باحثوها أو وكلاؤها قد اطلعوا على العمل المنافس قبل نشره.
وفي الوقت نفسه، أقرت الشركة بصعوبة استبعاد جميع الاحتمالات المتعلقة بالمعلومات المتاحة للعامة أو البيانات التي ربما دخلت ضمن البيانات المستخدمة في تدريب النماذج.
هل حُسمت مسألة نافير-ستوكس؟
رغم الإعلان عن البرهان، من المهم التمييز بين التوصل إلى نتيجة رياضية جديدة وبين اعتمادها باعتبارها حلاً نهائياً للمسألة.
فالبحث الذي قدمته OpenAI يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى مراجعة مستقلة ودقيقة من المتخصصين في الرياضيات.
كما أن التحقق الحاسوبي، رغم أهميته، لا يلغي الحاجة إلى الفحص العلمي المستقل.
وأكدت OpenAI أنها لا تعتزم المطالبة بجائزة المليون دولار المخصصة لمسألة «نافير-ستوكس».
وترى الشركة أن الهدف الأساسي من نشر البحث هو إظهار المستوى الذي وصلت إليه نماذج الذكاء الاصطناعي في التعامل مع مسائل رياضية ظلت مفتوحة أمام الباحثين لعقود.
وفي حال اجتاز البرهان المراجعة العلمية المطلوبة، فقد تتجاوز أهمية النتيجة حدود مسألة رياضية واحدة، لتفتح نقاشاً أوسع حول دور الذكاء الاصطناعي في البحث الرياضي والعلمي.
ويبقى الحكم النهائي على صحة البرهان بيد مجتمع الرياضيات، وليس الشركة التي طورت النموذج.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بالمراجعة والتدقيق، قبل معرفة ما إذا كان هذا التقدم يمثل بالفعل حلاً لمسألة «نافير-ستوكس» أم خطوة جديدة على طريق حلها.










