ڤوداكوم تقترح إطارًا تنظيميًا للذكاء الاصطناعي يحمي الحقوق ويدعم الابتكار فى أفريقيا
أيمن عصام: أفريقيا يجب أن يكون لها صوت في صياغة قواعد الذكاء الاصطناعي
دعت مجموعة ڤوداكوم (Vodacom Group) إلى تبني إطار تنظيمي أفريقي للذكاء الاصطناعي يوازن بين حماية حقوق الإنسان والخصوصية والأمن من جهة، ودعم الابتكار والاستثمار والنمو الاقتصادي من جهة أخرى، محذرة من نقل النماذج التنظيمية الدولية وتطبيقها بصورة حرفية دون مراعاة الظروف الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية لدول القارة.
وجاءت الدعوة ضمن ورقة سياسات بعنوان «حوكمة الذكاء الاصطناعي في أفريقيا: إطار قائم على المبادئ للتنظيم المسؤول»، أعدتها ڤوداكوم بالتعاون مع مكتب المحاماة الأفريقي Bowmans، ونُشرت في 21 أكتوبر 2026، بهدف تقديم توصيات عملية لصناع السياسات والجهات التنظيمية بشأن إدارة فرص الذكاء الاصطناعي ومخاطره في الأسواق الأفريقية.
وقال أيمن عصام، رئيس الشؤون الخارجية بمجموعة ڤوداكوم، إن «أفريقيا يجب أن يكون لها صوت مؤثر في صياغة القواعد التي ستحكم مستقبل الذكاء الاصطناعي فيها»، مؤكدًا أهمية تطوير أطر تنظيمية تستوعب احتياجات القارة وتدعم قدرتها على المشاركة في تطوير هذه التكنولوجيا ونشرها والاستفادة منها.
وأضاف عصام: «يجب تحقيق التوازن بين الحماية والابتكار، وأن تتطور الأساليب التنظيمية بالتوازي مع القدرات المؤسسية والتطور التكنولوجي. ويمكن للنهج التدريجي أن يوفر الوضوح والضمانات اللازمة، مع تمكين الابتكار الذي يدعم التقدم الاقتصادي والاجتماعي».
وتعكس هذه التصريحات جوهر الورقة التي ترى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا لن يتحدد فقط بمدى سرعة تبني التكنولوجيا، بل كذلك بقدرة الحكومات والمؤسسات على وضع قواعد عملية تحمي الأفراد وتبني الثقة، دون فرض أعباء لا تتناسب مع إمكانات الأسواق المحلية.
1. الذكاء الاصطناعي قد يضيف 1.5 تريليون دولار إلى اقتصاد أفريقيا
تستند الورقة إلى الفرص الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن يتيحها الذكاء الاصطناعي للقارة، مشيرة إلى إمكانية مساهمته بما يصل إلى 1.5 تريليون دولار في الاقتصاد الأفريقي بحلول عام 2030، إذا تمكنت أفريقيا من الاستحواذ على 10% من سوق الذكاء الاصطناعي العالمية.
لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب تجاوز تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية الحاسوبية، ومحدودية قدرات مراكز البيانات، والفجوات في المهارات الرقمية، وتفاوت مستويات الجاهزية المؤسسية والتنظيمية بين الدول.
وتشير الورقة إلى أن أفريقيا، التي تضم قرابة 20% من سكان العالم، لا تستحوذ إلا على أقل من 1% من القدرة العالمية لمراكز البيانات، وهو تفاوت يبرز الحاجة إلى زيادة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والقدرات اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.
كما تلفت إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية مستقبلية فحسب، بل أصبح مستخدمًا في قطاعات حيوية تشمل الصحة والزراعة والخدمات المالية والإدارة العامة، بما يجعل تنظيمه قضية ترتبط بالتنمية الاقتصادية وجودة الخدمات وحماية حقوق المواطنين.
2. لماذا لا تدعو ڤوداكوم إلى استنساخ النماذج الدولية؟
تؤكد الورقة أن التجارب الدولية، بما فيها الأطر التنظيمية الأوروبية وغيرها، يمكن أن تقدم دروسًا مهمة، لكنها لا ينبغي أن تُنقل إلى أفريقيا كما هي دون تكييفها مع الواقع المحلي.
وتوضح أن دول القارة تختلف في توافر البنية التحتية الرقمية، وقدرات الجهات التنظيمية، ومستويات الثقافة الرقمية، وتنوع اللغات، وطبيعة الاقتصادات المحلية. ولذلك، فإن تطبيق قواعد معقدة وموحدة على جميع الدول قد يرفع تكلفة الامتثال ويؤخر تطوير الخدمات، خصوصًا في الأسواق التي لا تزال تبني قدراتها الرقمية والمؤسسية.
وترى ڤوداكوم أن المطلوب هو الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، مع صياغة قواعد تتناسب مع الاحتياجات المحلية، وتتيح للدول الأفريقية المشاركة الفعلية في تحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي، بدلًا من الاكتفاء باستهلاك حلول يجري تصميمها وتطويرها في أسواق أخرى.
3. الشفافية وحق المواطنين في معرفة كيفية اتخاذ القرارات
من أبرز القضايا التي تناولها أيمن عصام في تصريحات منشورة على هامش إطلاق الورقة، أهمية الشفافية في الأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، خاصة عندما تؤثر مخرجاتها في قرارات تمس حياة الأفراد.
وأشار عصام إلى أن الأنظمة تتعلم من مجموعات البيانات التي يختارها البشر، وأن هذه الاختيارات قد تؤثر في النتائج التي تنتجها الخوارزميات. وأكد حق المستهلكين في معرفة طبيعة البيانات المستخدمة في تدريب الأنظمة التي قد تؤثر في حياتهم.
وفي هذا السياق، قال عصام: «نستحق أن نعرف» نوع البيانات التي أُدخلت إلى النظام، عندما تؤثر نتائجه في الصحة أو الخدمات المصرفية أو التمويل أو التعليم أو العلاقات الإنسانية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم طلبات الائتمان، وتقديم التوصيات الصحية، وتحديد أهلية الأفراد للحصول على خدمات معينة. فالقرارات الآلية قد تبدو محايدة، لكنها يمكن أن تتأثر ببيانات غير مكتملة أو متحيزة، بما يؤدي إلى نتائج غير دقيقة أو تمييزية.
وتؤكد الورقة أن الشفافية وقابلية تفسير النتائج والمساءلة والإشراف البشري تمثل عناصر أساسية لبناء الثقة في هذه الأنظمة، خصوصًا عندما ترتبط القرارات بحقوق الأفراد أو وصولهم إلى الخدمات الأساسية.
4. ستة مبادئ لحوكمة الذكاء الاصطناعي المسؤول
تقترح ڤوداكوم إطارًا قائمًا على حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية والكرامة الإنسانية طوال دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي، من التصميم والتطوير إلى الاستخدام والمراقبة.
ويقوم الإطار على ستة مبادئ رئيسية:
- الشفافية وقابلية التفسير: توفير معلومات مناسبة عن كيفية عمل الأنظمة وأسس قراراتها.
- المساءلة والإشراف البشري: تحديد المسؤوليات وإتاحة التدخل البشري عند الحاجة، خصوصًا في القرارات عالية التأثير.
- العدالة وعدم التمييز: الحد من التحيزات التي قد تنتج عن البيانات أو تصميم الخوارزميات.
- السلامة والأمن: إدارة المخاطر المرتبطة بالأخطاء التقنية والهجمات الإلكترونية وسوء الاستخدام.
- الخصوصية وحماية البيانات: ضمان التعامل المسؤول مع المعلومات الشخصية.
- التناسب: ربط مستوى الرقابة بحجم المخاطر الفعلية التي ينطوي عليها كل استخدام.
وتشدد الورقة على أن الهدف ليس فرض المستوى نفسه من الرقابة على جميع التطبيقات، بل إعطاء الأولوية للاستخدامات التي قد تؤثر بصورة مباشرة في الحقوق الأساسية أو الوصول إلى الخدمات الحيوية.
5. خارطة طريق تدريجية بدلًا من تنظيم موحد للجميع
توصي الورقة باتباع مسار تدريجي لتطوير حوكمة الذكاء الاصطناعي، يأخذ في الاعتبار اختلاف قدرات الدول الأفريقية ومستويات نضج مؤسساتها التنظيمية.
وتبدأ المرحلة الأولى بتعزيز الاستراتيجيات الوطنية والتشريعات القائمة في مجالات حماية البيانات والأمن السيبراني وحماية المستهلك، إلى جانب تحديد جهة تنسيق رئيسية ووضع متطلبات أساسية للشفافية في الأنظمة عالية المخاطر.
أما الدول التي تمتلك قدرات تنظيمية أكثر تطورًا، فيمكنها الانتقال إلى تقييمات الأثر قبل تشغيل بعض الأنظمة، وتوسيع استخدام البيئات التنظيمية التجريبية، ثم تطوير آليات أكثر تقدمًا للتدقيق في الخوارزميات والإبلاغ عن الحوادث وإنشاء سجلات للأنظمة عالية المخاطر.
ويهدف هذا النهج إلى بناء القدرات التنظيمية بالتوازي مع تطور التكنولوجيا، بدلًا من فرض التزامات واسعة قد يصعب تنفيذها في بعض الأسواق.
6. التنسيق بين الدول الأفريقية ضرورة لتوسيع الأسواق الرقمية
تحذر الورقة من أن اختلاف القواعد التنظيمية بين الدول قد يرفع تكاليف تشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي العابرة للحدود، ويجعل الشركات مضطرة إلى التعامل مع إجراءات وموافقات مختلفة في كل سوق.
وتدعو إلى تعزيز التنسيق الإقليمي حول المبادئ الأساسية والمصطلحات وتصنيفات المخاطر، مع دعم قابلية التشغيل البيني وتسهيل تدفقات البيانات عبر الحدود، بما يساعد على تطوير أسواق رقمية أكثر تكاملًا.
كما تقترح الاستفادة من التجمعات الاقتصادية الإقليمية في تقريب السياسات وتنسيق القواعد، مع الاحتفاظ بمرونة تسمح لكل دولة بمعالجة ظروفها وأولوياتها.
وترى الورقة أن التعاون بين الحكومات والجهات التنظيمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني ضروري لتطوير قواعد قابلة للتطبيق؛ إذ يمكن للشركات المساهمة بخبراتها الفنية والتشغيلية، بينما تتولى المؤسسات العامة مسؤوليات الرقابة والمساءلة وحماية المواطنين.
7. فرصة لأفريقيا للمشاركة في صناعة مستقبل الذكاء الاصطناعي
تخلص ورقة ڤوداكوم وBowmans إلى أن أفريقيا أمام فرصة للمشاركة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الأولى لتوسع استخدامه، شريطة أن تجمع الأطر التنظيمية بين حماية الحقوق وتشجيع الابتكار وبناء القدرات المحلية.
ولا تقتصر القضية على صياغة قوانين جديدة، بل تشمل تطوير البنية التحتية، وتنمية المهارات، وتحسين إدارة البيانات، وتعزيز الشفافية، وبناء مؤسسات قادرة على التعامل مع المخاطر المتغيرة للتكنولوجيا.
وتطرح الورقة رسالة أساسية مفادها أن التنظيم الفعال لا يُقاس بمدى تعقيده، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين إدارة المخاطر وإتاحة الفرص، مع مراعاة الفروق بين الدول والمجتمعات.
وبالنسبة إلى أفريقيا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة للتنمية الشاملة، لا إلى عامل جديد لتوسيع الفجوة الرقمية؛ وهو ما يتطلب قواعد واضحة وقابلة للتطبيق، وتعاونًا إقليميًا أوسع، ومشاركة أفريقية فاعلة في تحديد السياسات التي ستشكل مستقبل التكنولوجيا في القارة.










