تحدثت عن منتج فظهر إعلان عنه؟.. هل هاتفك يتجسس عليك أم أن الخوارزميات تعرف ما تريد؟
تحدثت عن منتج مع أحد الأشخاص، وبعدها بدقائق ظهر أمامك إعلان عنه على هاتفك؟ هذا الموقف يتكرر مع عدد كبير من مستخدمي الهواتف الذكية، وهو ما جعل البعض يعتقد أن التطبيقات والشركات التقنية تستمع إلى المحادثات التي تدور حولهم من خلال ميكروفون الهاتف.
لكن أبحاثًا وتحليلات أمنية وتقنية تناولت هذه الظاهرة تشير إلى تفسير مختلف، إذ لا يبدو أن التنصت الصوتي المستمر هو السبب الرئيسي وراء ظهور هذه الإعلانات.
وبدلًا من ذلك، تعتمد المنظومة الإعلانية الحديثة على كميات ضخمة من البيانات السلوكية وتقنيات النمذجة التنبؤية التي تستطيع توقع اهتمامات المستخدم قبل أن يبحث عنها بشكل مباشر.
هل الهواتف تتجسس على المحادثات؟
ارتبط ظهور الإعلانات المرتبطة بمحادثات المستخدمين لفترة طويلة بفكرة أن الهاتف يستمع باستمرار إلى ما يقال بالقرب منه، ثم يرسل التسجيلات إلى الشركات لتحليلها واستخدامها في استهداف الإعلانات.
إلا أن هذا السيناريو يواجه عددًا من العقبات التقنية والعملية. فالتسجيل الصوتي المستمر يحتاج إلى استخدام موارد الهاتف بصورة متواصلة، كما يؤدي إرسال كميات كبيرة من البيانات الصوتية عبر الإنترنت إلى استهلاك البطارية وباقة الإنترنت.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ إن معالجة التسجيلات الصوتية الناتجة عن مليارات المستخدمين تتطلب قدرات حوسبة وتخزين ضخمة، وهو ما يجعل فكرة الاعتماد على التسجيل المستمر لكل المحادثات عملية معقدة ومكلفة للغاية.
دراسة اختبرت آلاف التطبيقات
ومن بين الأدلة التي استندت إليها التحليلات الأمنية في نفي فكرة التنصت الصوتي المستمر، تجربة أجراها باحثون من جامعة نورث إيسترن، حيث فحص الباحثون أكثر من 17 ألف تطبيق شهير بحثًا عن مؤشرات تدل على تسجيل الصوت سرًا وإرساله إلى جهات خارجية.
ولم تكشف الاختبارات التي تناولتها التقارير عن وجود أدلة تثبت إرسال تسجيلات صوتية خفية بالطريقة التي يتخيلها كثير من المستخدمين.
وهذا لا يعني أن الهواتف والتطبيقات لا تجمع بيانات عن المستخدمين، بل يشير إلى أن الطريقة التي تستطيع بها المنصات توقع اهتمامات الأشخاص تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر أخرى من البيانات، وليس بالضرورة على الاستماع إلى المحادثات الخاصة.
الخوارزميات قد تعرف ما تريد قبل أن تبحث
تعتمد شركات الإعلانات الرقمية على تقنيات متقدمة لتحليل سلوك المستخدمين.. وتجمع هذه الأنظمة بين مجموعة كبيرة من الإشارات الرقمية من أجل تكوين صورة عن الاهتمامات والعادات الاستهلاكية.
ومن خلال تحليل هذه البيانات، تستطيع الخوارزميات تقدير المنتجات أو الخدمات التي قد يهتم بها المستخدم مستقبلًا.
وقد يبدو الأمر للمستخدم وكأن الهاتف قرأ أفكاره، خصوصًا عندما يظهر إعلان عن منتج تحدث عنه قبل فترة قصيرة، رغم أنه لم يكتبه في محرك بحث ولم يطلب البحث عنه عبر أحد التطبيقات.
لكن التفسير قد يكون أن النظام الإعلاني كان يمتلك بالفعل مؤشرات سابقة على احتمال اهتمام المستخدم بهذا المنتج.
التشابك الجغرافي يكشف اهتمامات المحيطين بك
من التقنيات التي يمكن أن تساعد في تفسير بعض المواقف ما يعرف بالتشابك الجغرافي.. حيث تستفيد الخوارزميات من بيانات الموقع وإشارات شبكات الواي فاي وغيرها من المؤشرات لمعرفة الأشخاص الموجودين في نطاق جغرافي متقارب خلال فترة زمنية معينة.
فإذا بحث شخص موجود بالقرب منك عن منتج معين أو تفاعل معه عبر إحدى المنصات.. يمكن للخوارزميات أن تستنتج وجود احتمال لاهتمام أشخاص آخرين في البيئة نفسها بالمنتج.
وبذلك قد يظهر الإعلان على هاتف شخص آخر دون أن يكون قد أجرى بحثًا مباشرًا عن المنتج.
وهذه الآلية تجعل ظهور الإعلان يبدو مرتبطًا بالمحادثة التي جرت أمام المستخدم.. بينما قد يكون السبب الحقيقي هو مجموعة من الإشارات والبيانات التي جمعتها الأنظمة الرقمية من مصادر مختلفة.
كيف تجمع شركات البيانات معلومات عن المستخدم؟
هناك أيضًا شركات متخصصة في جمع وتحليل البيانات تعرف باسم تجار البيانات، وتعمل على تجميع عدد كبير من النقاط الرقمية المتعلقة بسلوك المستخدمين.
ولا تقتصر هذه البيانات على عمليات البحث فقط، بل يمكن أن تشمل طبيعة استخدام الهاتف، وسرعة التصفح.. والمدة التي يقضيها الشخص في مشاهدة منشور معين، ونوع الجهاز المستخدم، إضافة إلى بيانات الموقع الجغرافي وغيرها من المؤشرات.
ومع تجميع هذه المعلومات، يمكن بناء ملف تنبؤي يحاول تحديد اهتمامات المستخدم وعاداته الاستهلاكية.
وهنا تظهر قوة الإعلانات الموجهة، إذ لا تحتاج المنصة بالضرورة إلى معرفة ما قاله الشخص في محادثة خاصة.. طالما أن لديها عددًا كافيًا من البيانات التي تسمح لها بالتنبؤ بما قد يبحث عنه أو يشتريه لاحقًا.
الذكاء الاصطناعي يزيد دقة التوقعات
تلعب الشبكات العصبية الاصطناعية والنماذج التنبؤية دورًا مهمًا في تحليل السلوك الرقمي.
ويتم تدريب بعض هذه النماذج على بيانات وسلوكيات أعداد كبيرة من الأشخاص الذين تتشابه أعمارهم أو ظروفهم أو أنماط استخدامهم.
وبناءً على ذلك، يمكن للنظام اكتشاف تغييرات صغيرة في طريقة استخدام الشخص لهاتفه.. ثم ربطها بسلوكيات ظهرت سابقًا لدى مستخدمين آخرين.
وقد تسمح هذه العملية بتوقع الاهتمامات المستقبلية خلال فترة قصيرة.. وهو ما يفسر أحيانًا ظهور إعلانات تبدو للمستخدم مفاجئة أو مرتبطة مباشرة بأمر كان يفكر فيه.
كيف تحمي خصوصيتك من التتبع؟
رغم أن ظهور إعلان مرتبط باهتمام معين لا يعني بالضرورة أن الهاتف يتجسس على المحادثات.. فإن مراجعة إعدادات الخصوصية تظل خطوة مهمة للحد من كمية البيانات التي يمكن للتطبيقات الوصول إليها.
ومن الخطوات المفيدة مراجعة إعدادات تتبع النشاط عبر التطبيقات، خصوصًا تلك التي تسمح بمشاركة بيانات النشاط بين منصات وخدمات مختلفة.
كما يمكن للمستخدم مراجعة أذونات الموقع الجغرافي، وعدم السماح للتطبيق بالوصول إلى الموقع بشكل دائم إلا إذا كانت طبيعة عمله تحتاج إلى ذلك.
ويُفضل كذلك مراجعة صلاحيات الميكروفون والكاميرا بصورة دورية.. وسحب هذه الصلاحيات من التطبيقات التي لا تحتاج إليها لأداء وظيفتها الأساسية.
لماذا يبدو الإعلان وكأنه يقرأ أفكارك؟
في النهاية، فإن ظهور إعلان عن منتج تحدثت عنه لا يمثل بمفرده دليلًا على أن الهاتف سجل المحادثة وأرسلها إلى شركة إعلانية.
فالمنظومة الرقمية الحديثة تعتمد على تحليل عدد هائل من البيانات، بداية من نشاط المستخدم على الإنترنت، مرورًا بالموقع والبيئة المحيطة، ووصولًا إلى طريقة التفاعل مع المحتوى والإعلانات.
ومع تطور النماذج التنبؤية والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الأنظمة قادرة على الوصول إلى توقعات دقيقة بشأن اهتمامات المستخدمين.
لذلك، قد يكون الشعور بأن الهاتف “يعرف ما تفكر فيه” ناتجًا عن قدرة الخوارزميات على تحليل السلوك والتنبؤ بالاحتياجات، وليس بالضرورة نتيجة التنصت المستمر على المحادثات.
ومع ذلك، تظل الخصوصية الرقمية مسألة مهمة، ويستطيع المستخدم تقليل حجم البيانات المتاحة للتطبيقات من خلال مراجعة الأذونات وإعدادات التتبع والموقع والميكروفون والكاميرا بشكل منتظم.










