في خطوة تعكس تحولًا جديدًا في سباق الذكاء الاصطناعي، تتعاون شركتا ميتا وأبل لتطوير وتشغيل نموذج الذكاء الاصطناعي Muse Spark Open على أجهزة Mac Studio، مستفيدتين من قدرات المعالجة التي توفرها معالجات أبل وإطار التعلم الآلي مفتوح المصدر MLX.
ويأتي هذا التعاون رغم الخلافات التي استمرت لسنوات بين الشركتين بشأن خصوصية المستخدمين وآليات تتبعهم لأغراض الإعلانات المستهدفة. إلا أن الاهتمام المتزايد بتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي مباشرة على الأجهزة، دون الاعتماد الكامل على الخدمات السحابية، دفع الطرفين إلى العمل معًا لتحقيق هذا الهدف.
ويتميز النموذج الجديد بحجم ضخم يصل إلى 816 مليار مُعامل، إلى جانب نافذة سياق تبلغ مليون رمز، وهي مواصفات تستهدف دعم المهام البرمجية المعقدة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مع منح المطورين والمؤسسات تحكمًا أكبر في بياناتهم.
ميتا وأبل تتعاونان لتشغيل نموذج الذكاء الاصطناعي محليًا
بحسب تقرير نشره موقع Android Headlines واطلعت عليه العربية Business، عمل مهندسون من ميتا وأبل على هذا التعاون لعدة أشهر، بهدف تحسين تشغيل نموذج Muse Spark Open على أجهزة Mac Studio المعتمدة على معالجات Apple Silicon.
ويعتمد التعاون على إطار MLX، الذي طورته أبل لتسهيل تشغيل نماذج التعلم الآلي على أجهزتها. ويساعد هذا الإطار على الاستفادة من إمكانات المعالجة المتاحة في أجهزة ماك.. بما يسمح بتشغيل نماذج متقدمة داخل بيئة العمل المحلية.
ويمثل هذا التوجه تغييرًا مهمًا في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي.
فبدلًا من إرسال جميع الطلبات والبيانات إلى خوادم خارجية.. يمكن للمطورين تشغيل النموذج على تجهيزاتهم الخاصة، وفقًا لمتطلبات التشغيل والإمكانات المتاحة لديهم.
وحظي التعاون بإشادة من مسؤولين في الشركتين، وسط إشارات إلى أن تشغيل نموذج بهذا الحجم على محطة عمل مكتبية يمثل تطورًا لافتًا في قدرات الحوسبة المحلية.
816 مليار مُعامل ونافذة سياق تصل إلى مليون رمز
يأتي حجم نموذج Muse Spark Open ضمن أبرز المواصفات التي تميزه، إذ يضم 816 مليار مُعامل، مع نافذة سياق تصل إلى مليون رمز.
وتشير هذه المواصفات إلى قدرته على التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات ضمن سياق واحد.. وهو أمر مهم في المهام التي تتطلب تحليل مستندات طويلة أو متابعة تفاصيل مشروع برمجي معقد.
ويستهدف النموذج عددًا من الاستخدامات المتقدمة، من بينها هندسة البرمجيات، والبرمجة، والاستدلال متعدد الخطوات، إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيل التي تنفذ سلسلة من المهام لتحقيق هدف محدد.
وتكتسب هذه الإمكانات أهمية خاصة لدى المطورين الذين يحتاجون إلى أدوات تساعدهم في تحليل الشيفرات البرمجية.. والتعامل مع المشروعات الكبيرة، وتنفيذ عمليات تتطلب أكثر من خطوة.
ومع ذلك، فإن حجم النموذج ومواصفاته لا يعنيان بالضرورة أن تشغيله سيكون متاحًا بسهولة على جميع أجهزة الكمبيوتر.
فالتعامل مع نموذج بهذا الحجم يتطلب موارد حاسوبية كبيرة، إلى جانب إعداد مناسب للذاكرة والمعالجة.
ما المقصود بنموذج ذكاء اصطناعي مفتوح الأوزان؟
يتميز Muse Spark Open بأنه نموذج مفتوح الأوزان، وهو ما يمنح المطورين إمكانية الوصول إلى الأوزان التي تحدد سلوك النموذج أثناء المعالجة.. مع إمكانية تنزيلها وتخصيصها وفقًا لشروط الترخيص المتاحة.
ووفقًا للتقرير، يمكن للمطورين الحصول على أوزان النموذج عبر منصة Hugging Face، ثم العمل على تهيئتها لتطوير تطبيقات وأدوات تناسب احتياجاتهم.
ويختلف مفهوم النموذج مفتوح الأوزان عن إتاحة جميع مكونات المشروع بالضرورة.
فإمكانية الوصول إلى الأوزان لا تعني تلقائيًا أن بيانات التدريب أو جميع تفاصيل تطوير النموذج متاحة للجمهور.
ومع ذلك، يوفر هذا النهج مساحة أكبر للتجربة والتطوير مقارنة بالاعتماد الحصري على خدمات الذكاء الاصطناعي المغلقة التي لا تسمح للمستخدمين بالتحكم الكامل في النموذج نفسه.
كما يمكن أن تستفيد الشركات من هذه المرونة في بناء حلول داخلية، وتطوير أدوات مخصصة، وتكييف النماذج مع طبيعة أعمالها.
تكلفة تشغيل النموذج محليًا تصل إلى آلاف الدولارات
رغم المزايا المحتملة لتشغيل الذكاء الاصطناعي محليًا، فإن التكلفة تمثل أحد أبرز التحديات أمام المطورين والمؤسسات.
وأشار التقرير إلى أن تشغيل النموذج كاملًا يتطلب تجهيزات حاسوبية قوية.. تشمل جهازين من Mac Studio Ultra المزودين بمعالجات M5، مع ربطهما ببعضهما لتوفير القدرة اللازمة للتشغيل.
وتُقدر تكلفة شراء الجهازين بنحو 11 ألف دولار، وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير، ما يجعل إعداد بيئة محلية لتشغيل النموذج استثمارًا مرتفع التكلفة مقارنة باستخدام بعض خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية.
ولا تقتصر التكلفة الفعلية على شراء الأجهزة وحدها، إذ قد ترتبط أيضًا بمتطلبات الذاكرة والتخزين والطاقة والإعداد الفني.. بحسب التكوين المستخدم وطبيعة المهام المطلوب تنفيذها.
لذلك، قد يكون هذا الحل أكثر ملاءمة للشركات التي تتعامل مع بيانات حساسة أو مشروعات برمجية كبيرة.. وللمطورين الذين يحتاجون إلى تشغيل متكرر للنموذج داخل بيئة عمل يسيطرون عليها.
كيف يعزز التشغيل المحلي خصوصية البيانات؟
تتمثل إحدى أهم مزايا تشغيل الذكاء الاصطناعي محليًا في تقليل الحاجة إلى إرسال المعلومات إلى خوادم خارجية.. وهو ما قد يساعد المؤسسات على حماية بياناتها الحساسة.
فعند تطوير برامج جديدة، قد تتضمن الشيفرات المصدرية تفاصيل تقنية أو معلومات تجارية لا ترغب الشركات في مشاركتها خارج نطاقها الداخلي.
وينطبق الأمر نفسه على المستندات والملفات المرتبطة بالمشروعات غير المعلنة.
ويمكن أن يساعد التشغيل المحلي على إبقاء هذه المعلومات داخل بيئة العمل.. بدلًا من الاعتماد على بنية سحابية تابعة لجهة خارجية.. بشرط ضبط النظام بطريقة مناسبة وعدم استخدام خدمات خارجية إضافية تنقل البيانات.
لكن التشغيل المحلي لا يضمن الخصوصية تلقائيًا؛ إذ تظل هناك حاجة إلى تأمين الأجهزة، وإدارة صلاحيات الوصول، وتحديث البرامج، ومراجعة الأدوات المتصلة بالنموذج.
وبالتالي، يعتمد مستوى الحماية الفعلي على طريقة إعداد النظام واستخدامه، وليس على مكان تشغيل النموذج وحده.
لماذا تستفيد ميتا وأبل من هذه الشراكة؟
تحقق الشراكة مصالح مختلفة لكل من ميتا وأبل، رغم المنافسة السابقة بينهما.
بالنسبة إلى ميتا، يتيح تشغيل نموذجها على أجهزة أبل توسيع فرص استخدام نماذجها مفتوحة الأوزان.. والوصول إلى مطورين ومؤسسات يفضلون تشغيل الذكاء الاصطناعي محليًا بدلًا من الاعتماد الكامل على الخدمات السحابية.
كما يمكن أن يساعد هذا التوجه ميتا في تعزيز حضورها في سوق يشهد منافسة متزايدة من شركات تطور نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة.. بما في ذلك شركات صينية مثل علي بابا ومونشوت إيه آي.
أما أبل، فتستفيد من إبراز قدرات أجهزة Mac Studio في تشغيل أعباء العمل الحاسوبية الثقيلة.. ما يعزز موقع أجهزتها بين المطورين والباحثين والشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
ويمكن أن يدعم هذا التوجه الطلب على أجهزة ماك عالية الأداء، خصوصًا مع تزايد اهتمام المؤسسات بتشغيل النماذج محليًا والتحكم في بياناتها.
هل يمثل التعاون بداية مرحلة جديدة للذكاء الاصطناعي؟
يعكس التعاون بين ميتا وأبل اتجاهًا متناميًا نحو توفير خيارات متعددة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، تجمع بين الخدمات السحابية والحوسبة المحلية.
ففي الوقت الذي تتيح فيه المنصات السحابية الوصول إلى قدرات حاسوبية كبيرة دون شراء تجهيزات باهظة.. يمنح التشغيل المحلي المستخدمين تحكمًا أكبر في بيئة العمل والبيانات.. لكنه يتطلب استثمارات في الأجهزة والصيانة والخبرة الفنية.
ومن المتوقع أن تظل المفاضلة بين الخيارين مرتبطة باحتياجات كل مستخدم أو مؤسسة.. وحجم البيانات التي يتعامل معها، والميزانية المتاحة، ومتطلبات الخصوصية والأداء.
وبذلك، لا تقتصر أهمية تعاون ميتا وأبل على تشغيل نموذج ضخم على أجهزة ماك.. بل تمتد إلى تعزيز النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.. ومدى قدرة الأجهزة الشخصية ومحطات العمل على تشغيل نماذج متقدمة دون الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية.
وتظل التكلفة المرتفعة للتجهيزات أحد أبرز العوائق أمام انتشار هذا النوع من الحلول على نطاق واسع ..بينما قد تمثل المرونة والتحكم في البيانات عاملين أساسيين في جذب الشركات والمطورين إليه خلال المرحلة المقبلة.










