الأخبار

الذكاء الاصطناعي يغير وظائف خدمة العملاء.. هل تتحول التكنولوجيا إلى عبء على الموظفين؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل وظائف خدمة العملاء، مع توسع الشركات في استخدام الأنظمة الآلية للتعامل مع الاستفسارات المتكررة، وتسجيل الملاحظات، وتنفيذ المهام الإدارية.

وبينما تستهدف هذه التقنيات تسريع الخدمة وتحسين تجربة العملاء، فإنها تثير تساؤلات حول تأثيرها على الموظفين، خاصة مع تزايد الضغوط المرتبطة بالتعامل مع المشكلات المعقدة.

وأصبحت الشركات تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتقليل الوقت اللازم لإنجاز المهام الروتينية، بما يسمح للموظفين بالتركيز على الحالات التي تحتاج إلى خبرة بشرية وقدرة على فهم احتياجات العملاء.

لكن التجارب العملية تكشف أن النتائج ليست إيجابية دائمًا، إذ قد تتسبب أخطاء الأنظمة في زيادة الأعباء بدلًا من تخفيفها.

الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع مهام خدمة العملاء

لم تعد طبيعة العمل داخل مراكز الاتصال كما كانت في السابق.

فبدلًا من قضاء ساعات طويلة في إجراء المكالمات وتسجيل التفاصيل ومراجعة المعلومات.. أصبح بعض الموظفين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إنجاز هذه المهام.

وتوضح تجربة كايلي هاريس، التي تعمل في خدمة العملاء بإحدى شركات بطاقات الائتمان، هذا التحول.

فقد أتاحت لها التقنيات الجديدة وقتًا أكبر للتركيز على احتياجات العملاء وتقديم تجربة أكثر اهتمامًا بالتفاصيل.. بعد أن كانت المهام الإدارية تستحوذ على جزء كبير من يومها.

لكن التجربة تختلف من شركة إلى أخرى. فشانون، التي تعمل في خدمة العملاء لدى شركة اتصالات في مدينة كارديف الويلزية.. ترى أن الملاحظات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي في مكان عملها الحالي تتضمن أخطاء متكررة.. ما يدفعها إلى تسجيل المعلومات بنفسها بدلًا من الاعتماد الكامل على النظام.

وتوضح هذه الأمثلة أن نجاح الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء لا يرتبط بمجرد توفير الأدوات التقنية.. بل يعتمد أيضًا على دقتها وقدرتها على تلبية احتياجات الموظفين والعملاء.

هل تساعد الأتمتة على تحسين تجربة العملاء؟

تستهدف أتمتة خدمة العملاء تقليل الوقت المستغرق في المهام المتكررة.. وتوفير مساحة أكبر للتعامل مع المشكلات التي تتطلب التفكير والتعاطف واتخاذ القرارات المناسبة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في مراكز الاتصال، حيث يتعامل الموظفون مع عملاء قد يشعرون بالغضب أو الإحباط بسبب تأخر الخدمات أو صعوبة حل المشكلات.

كما يواجه العاملون ضغوطًا متعلقة بمؤشرات الأداء، رغم أنهم قد لا يمتلكون دائمًا المعلومات أو الصلاحيات اللازمة لمعالجة الحالات.

ويرى نيكولا ميركسيتش، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة PolyAI المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الصوتي لخدمة العملاء.. أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تساعد في تخفيف الضغوط الواقعة على موظفي مراكز الاتصال.

ويشير إلى أن طبيعة الوظيفة قد تكون مرهقة، خاصة عندما يضطر الموظف إلى التعامل مع شكاوى متكررة في ظل قيود زمنية صارمة.

لذلك، يمكن للأنظمة الذكية أن تتولى بعض المهام الأولية، بينما يتفرغ الموظفون للحالات التي تحتاج إلى تدخل بشري.

ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الفائدة يتطلب توزيعًا مناسبًا للمهام بين الإنسان والآلة، بدلًا من الاعتماد على الأتمتة باعتبارها حلًا لجميع المشكلات.

شركات تتوسع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي

تتجه شركات الاتصالات وخدمات العملاء إلى تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي الصوتي للتعامل مع الاستفسارات الروتينية.. وتحويل الحالات الأكثر تعقيدًا إلى الموظفين المختصين.

وفي سبتمبر الماضي، أطلقت شركة الاتصالات والإعلام البريطانية Virgin Media O2 نظامًا صوتيًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ويهدف النظام إلى معالجة المشكلات المعتادة، حتى يتمكن المستشارون البشريون من تخصيص وقت أكبر للحالات المعقدة أو الحساسة.

كما تتبنى شركة ArvatoConnect البريطانية، المتخصصة في تجارب العملاء، نموذجًا يستهدف إدارة 70% من التفاعلات من خلال التكنولوجيا، مقابل 30% بواسطة الكوادر البشرية.

ويعكس هذا التوجه رغبة الشركات في الاستفادة من سرعة الأنظمة الآلية.. مع الاحتفاظ بدور الموظفين في المواقف التي تحتاج إلى فهم أعمق للسياق أو تقدير لطبيعة المشكلة.

وفي مثال آخر، أشارت ديبرا ماكسويل، الرئيسة التنفيذية لشركة ArvatoConnect، إلى أن إحدى الأدوات التي طورتها الشركة لصالح هيئة الخدمات التجارية الحكومية في المملكة المتحدة تنتج مسودات لتقييم جدوى الموردين بدقة تصل إلى 97%.

ويساعد هذا النوع من الأدوات على تقليل الوقت الذي يحتاج إليه الموظفون لاستخراج البيانات يدويًا.. لكنه يظل بحاجة إلى مراجعة مناسبة لضمان جودة النتائج.

زيادة الإنتاجية قد ترفع الضغوط على الموظفين

على الرغم من الفوائد المحتملة، فإن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يخلق تحديات جديدة داخل مراكز الاتصال.

فعندما تتولى الأنظمة الآلية المهام البسيطة، قد تنتقل إلى الموظفين نسبة أكبر من الحالات الصعبة، بما يشمل الشكاوى التي لم تنجح التكنولوجيا في حلها.

وفي هذه الحالة، لا يعني تقليل عدد المهام الروتينية بالضرورة انخفاض حجم الضغط اليومي.

ووفقًا لتقرير مؤشرات أداء مراكز الاتصال في المملكة المتحدة لعام 2025 و2026 الصادر عن MaxContact.. أفاد أثر من نصف صناع القرار المشاركين في الاستطلاع بزيادة أعباء العمل على الموظفين.. مقارنة بنحو 40% في عام 2024. ولم يحدد الاستطلاع الأسباب المباشرة لهذه الزيادة.

وتثير هذه النتائج تساؤلات حول كيفية قياس نجاح الأتمتة.

فزيادة سرعة إنجاز المعاملات لا تعني بالضرورة تحسن بيئة العمل، خاصة إذا أصبحت الحالات المتبقية أكثر صعوبة وتطلبًا.

كما أن التعامل المستمر مع العملاء الغاضبين، إلى جانب ضرورة إصلاح أخطاء الأنظمة، قد يزيد من احتمالات الإجهاد الوظيفي والاحتراق المهني.

المهام الروتينية توفر فترات من الراحة النفسية

ترى أماندا جونز، الباحثة في السلوك التنظيمي ومستقبل العمل بجامعة كينجز كوليدج لندن، أن اختفاء المهام البسيطة نسبيًا قد يجعل يوم العمل أكثر إرهاقًا.

وتوضح أن المهام الروتينية يمكن أن توفر فترات من الراحة الذهنية بين المواقف التي تتطلب تركيزًا عاليًا واتخاذ قرارات صعبة.

وعندما تختفي هذه الفترات، قد يضطر الموظف إلى التعامل مع مشكلات معقدة بصورة متواصلة.

وتحذر الباحثة من أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي قد تدفع بعض المؤسسات إلى رفع مستهدفات الأداء.. بدلًا من تخفيف الضغط على العاملين.

وقد تظهر مشكلة أخرى تتمثل في تقليص فرص اكتساب الخبرة تدريجيًا.

فالمهام البسيطة تساعد الموظفين الجدد على التعرف إلى الخدمات والإجراءات قبل الانتقال إلى الحالات الأكثر تعقيدًا.

لذلك، فإن أتمتة هذه المهام دون توفير فرص بديلة للتدريب والتعلم قد تجعل تطوير المهارات المهنية أكثر صعوبة.

اللمسة البشرية تظل عنصرًا أساسيًا

لا يعتمد نجاح خدمة العملاء على سرعة الرد وحدها، بل يرتبط أيضًا بقدرة الموظف على فهم المشكلة، وتقديم الحل المناسب، والتعامل بمرونة مع الظروف المختلفة.

وترى ديبرا ماكسويل أن تقييم أداء الموظفين ينبغي أن يركز على فهم احتياجات العميل والوصول إلى الحل الصحيح.. بدلًا من الاعتماد فقط على الالتزام بنصوص جاهزة أو تحقيق زمن محدد للمكالمة.

وقد يتطلب التعامل مع الحالات المعقدة منح الموظفين وقتًا إضافيًا، بدلًا من الضغط عليهم لإنهاء المكالمات بسرعة.

من جانبها، ترى هاريس أن الذكاء الاصطناعي يقدم فوائد عملية، لكنها تحذر من أن التركيز المفرط على السرعة والكمية قد يأتي على حساب جودة تجربة العملاء.

وتؤكد شانون بدورها أهمية الاحتفاظ بالخدمة البشرية، مشيرة إلى أن التواصل المباشر يتيح للموظف بذل جهد إضافي لفهم احتياجات العميل ومحاولة إرضائه.

وفي النهاية، لا يتمثل التحدي في الاختيار بين الذكاء الاصطناعي والموظف البشري.. بل في تحديد المهام التي تستطيع التكنولوجيا تنفيذها بكفاءة.. وتلك التي تحتاج إلى الخبرة والتعاطف والحكم الإنساني.

ومع استمرار توسع الشركات في استخدام الأنظمة الذكية، سيظل تحقيق التوازن بين الإنتاجية وجودة الخدمة وراحة الموظفين عاملًا أساسيًا لضمان نجاح التحول الرقمي في قطاع خدمة العملاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى