من طالب في «حاسبات القاهرة» إلى مؤسس منصة رقمية لخدمة القرآن.. بلال محمد يطوّر «سند» لإدارة حلقات التحفيظ عن بُعد
من جروبات واتساب ودفاتر المتابعة إلى منظومة رقمية متكاملة.. كيف حاول طالب مصري توظيف البرمجة والذكاء الاصطناعي في إعادة تنظيم تجربة تحفيظ القرآن الكريم؟
لم تعد التكنولوجيا تقتصر على تسهيل الأعمال اليومية أو تقديم الخدمات الرقمية التقليدية، وإنما أصبحت أداة يمكن توظيفها لمعالجة تحديات موجودة في مجالات مختلفة، ومن بينها التعليم الديني وتحفيظ القرآن الكريم، وهو ما دفع الطالب بلال محمد عمر، طالب كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة القاهرة، إلى تطوير منصة رقمية تحمل اسم «سند»، بهدف تقديم تجربة أكثر تنظيمًا وتركيزًا لإدارة حلقات تحفيظ القرآن الكريم عن بُعد.

بلال، الذي يدرس في قسم تكنولوجيا المعلومات بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، ويعمل كذلك محلل أمن سيبراني (SOC Analyst)، لم يتعامل مع الفكرة باعتبارها مجرد مشروع برمجي جديد، وإنما حاول بناء منظومة تعليمية متكاملة تعالج مجموعة من المشكلات التي تواجه الحلقات الإلكترونية، بداية من تشتت الطلاب بين تطبيقات التواصل المختلفة، مرورًا بصعوبة متابعة الحفظ والمراجعة، وصولًا إلى الاعتماد على وسائل تقليدية في تسجيل الحضور ومستوى الطلاب.

مؤسس ومطور منصة «سند» الرقمية – طالب بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة القاهرة – محلل أمن سيبراني (SOC Analyst)
ويقول بلال محمد عمر في حديثه لـ«وطن رقمي»: «فكرة سند بدأت من ملاحظة بسيطة، وهي إن أغلب حلقات تحفيظ القرآن أونلاين بتعتمد على أدوات مش مخصصة أساسًا للتعليم، زي جروبات واتساب أو تطبيقات الاجتماعات، وده بيعمل حالة من التشتت للطالب، وفي نفس الوقت بيحط على المحفظ مسؤولية كبيرة في متابعة الحفظ والمراجعة والغياب باستخدام دفاتر أو شيتات منفصلة».
ويضيف: «من هنا بدأت أفكر: ليه ما يكونش فيه مكان واحد يجمع كل عناصر رحلة الطالب في حفظ القرآن؟ الطالب يدخل يلاقي جدوله، ومواعيد الحفظ، والمناهج، والمتابعة، والتواصل مع المحفظ، بدل ما يكون مضطر ينتقل بين أكتر من تطبيق؟ ومن هنا بدأت فكرة سند».

من فكرة بسيطة إلى منظومة تعليمية متكاملة
بحسب مؤسس المنصة، لم يكن الهدف من «سند» إنشاء تطبيق للمحادثات أو وسيلة جديدة لعقد جلسات التحفيظ عن بُعد، وإنما بناء منظومة لإدارة العملية التعليمية نفسها، بحيث تكون الأدوات التي يحتاج إليها الطالب والمحفظ موجودة داخل بيئة رقمية واحدة.
ويشرح بلال: «أنا كنت حريص إن سند ما تكونش مجرد وسيلة تواصل بين الطالب والمحفظ، لكن تكون منظومة LMS متكاملة لإدارة رحلة الطالب في الحفظ والمراجعة. الفكرة الأساسية إننا نقلل التشتت ونخلي كل حاجة مرتبطة ببعضها داخل نفس البيئة».
وتتيح المنصة للمحفظ لوحات تحكم تساعده على متابعة أداء الطلاب، وتسجيل عمليات الحفظ والمراجعة، ومتابعة الحضور والتقدم، إلى جانب توفير تقارير تساعد في تكوين صورة أكثر وضوحًا عن مستوى الطالب، وهو ما يمكن أن يسهل كذلك عملية المتابعة بالنسبة لولي الأمر.
ويشير بلال إلى أن «الهدف كان إن المحفظ بدل ما يقضي وقت كبير في تسجيل البيانات ومراجعة أكتر من ملف أو شيت، تكون المعلومات كلها قدامه في مكان واحد، ويقدر يعرف الطالب وصل لفين، وإيه اللي محتاج يراجعه، ومستوى تقدمه».
غرفة تسميع تجمع المحفظ والطالب والمصحف في مكان واحد
ومن أبرز الأفكار التي حاول بلال تنفيذها داخل «سند» تصميم غرف تسميع تفاعلية تجمع بين الاتصال المباشر والمصحف الرقمي في شاشة واحدة، بما يسمح للطالب بالتركيز على عملية التسميع دون الحاجة إلى التنقل بين أكثر من برنامج.
ويقول مؤسس «سند»: «كنا عايزين غرفة التسميع تكون مصممة مخصوص لطبيعة الحلقة، مش مجرد مكالمة فيديو وخلاص. لذلك دمجنا بث الفيديو المباشر مع مصحف رقمي بالرسم العثماني في نفس الشاشة، بحيث المحفظ والطالب يقدروا يركزوا في الحلقة نفسها من غير ما الطالب يفتح برنامج تاني للمصحف أو يتشتت بين نوافذ مختلفة».
ويرى بلال أن هذه الجزئية تمثل أحد الفروق المهمة بين المنصة وأدوات التواصل العامة، لأن «سند» صممت من البداية وفق احتياجات حلقات تحفيظ القرآن، وليس باعتبارها استخدامًا إضافيًا لمنصة عامة.
الذكاء الاصطناعي يدخل رحلة حفظ القرآن
لم تتوقف تجربة «سند» عند تنظيم الحلقات وإدارة بيانات الطلاب، إذ يسعى بلال إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المنصة لتقديم تجربة تعليمية أكثر تخصيصًا.
ويقول: «الذكاء الاصطناعي بالنسبة لنا مش مجرد إضافة شكلية نحطها على المنصة ونقول إن عندنا AI. الفكرة إننا نحاول نخليه جزء من رحلة الطالب، بحيث يكون فيه مساعد ذكي يسانده، ويساعد في تحليل مستواه وتقديم تجربة تعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجاته».
ويضيف أن الهدف من هذا التوجه هو الانتقال تدريجيًا من نموذج موحد لجميع الطلاب إلى تجربة يمكن أن تراعي الفروق الفردية في مستوى كل طالب، مع الاستفادة من البيانات المتاحة داخل المنصة في تطوير المتابعة التعليمية.
الحفظ لا ينفصل عن الفهم والتدبر
ومن بين المكونات التي عمل عليها بلال أيضًا توفير مكتبة تفاسير مدمجة داخل المنصة، انطلاقًا من رؤية تقوم على عدم فصل عملية الحفظ عن الفهم والتدبر.
ويقول: «إحنا مش عايزين الطالب يكون كل هدفه إنه يحفظ وبس، لكن يكون عنده فرصة يرجع للتفسير ويفهم الآيات اللي بيحفظها. لذلك حاولنا نوفر الوصول للتفاسير من داخل المنصة نفسها، بحيث تبقى رحلة الطالب مش مجرد حفظ وتسميع، لكن كمان فهم وتدبر».
بيئة تواصل مغلقة بعيدًا عن مشتتات السوشيال ميديا
وتضم «سند» كذلك نظام محادثات فورية مخصصًا للتواصل بين الطالب والمعلم، بما يوفر بيئة أكثر تركيزًا من الاعتماد على تطبيقات التواصل الاجتماعي العامة.
ويشرح بلال: «لما الطالب يستخدم واتساب أو أي منصة تواصل عامة، هو مش داخل بس عشان الحلقة، قدامه إشعارات ورسائل ومجموعات ومحتوى كتير ممكن يشتته. إحنا حاولنا نخلي التواصل نفسه جزء من المنصة، بحيث الطالب والمحفظ يتواصلوا في بيئة مخصصة للحلقة والهدف الأساسي منها هو التعليم والمتابعة».
ويؤكد أن الهدف من هذا النظام هو توفير وسيلة تواصل عملية داخل البيئة التعليمية، مع التركيز في الوقت نفسه على خصوصية بيانات المستخدمين.
الأمن السيبراني حاضر منذ بداية بناء «سند»
وبحكم دراسة بلال لتكنولوجيا المعلومات وعمله في مجال الأمن السيبراني. كان الجانب الأمني حاضرًا في تصميم المنصة منذ مراحلها الأولى، وفقًا لما يوضحه مؤسسها.
ويقول: «أنا بشتغل أصلًا في مجال الأمن السيبراني. فكان مهم جدًا بالنسبة لي إن الأمان ما يكونش حاجة بنفكر فيها بعد ما نخلص المنصة. لكن يكون جزء من عملية البناء نفسها. لأننا بنتعامل مع بيانات طلاب ومحفظين. وبالتالي الخصوصية وحماية البيانات بالنسبة لنا أساسية».
ويعتمد بناء المنصة على لغة Python وإطار العمل Django. ضمن بنية Full-Stack Web App. مع خوادم اتصال Self-Hosted. بهدف توفير قدر أكبر من التحكم في البنية التحتية والبيانات. إلى جانب تصميم المنصة بحيث تكون قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من المستخدمين والحلقات.
ويضيف بلال: «اختيار Django وPython كان له أسباب تقنية مرتبطة بطبيعة المشروع. خصوصًا من ناحية بناء Backend منظم وقابل للتوسع. وفي نفس الوقت الاهتمام بالأمان وإدارة البيانات. كمان اعتمادنا على بنية خوادم مستقلة بيدينا تحكم أكبر في البيئة اللي شغالة عليها المنصة».
مشروع فردي.. وطموح يتجاوز حدود الفكرة الأولى
ورغم أن «سند» بدأت كفكرة ومشروع طوّره بلال بجهد فردي. فإن التجربة بالنسبة له لا تتوقف عند إطلاق المنصة. وإنما تمثل بداية لمحاولة بناء منتج تقني قابل للتطوير.
ويقول بلال: «أنا شايف إن أهم حاجة في التجربة دي إنك ما تستناش إن كل الظروف تكون مثالية عشان تبدأ. بدأت بالفكرة. وبعدها بدأت أتعلم وأبني وأجرب وأعدل. وكل مرحلة كانت بتكشف لي احتياجات جديدة».
ويضيف: «كوني طالب في كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي ساعدني جدًا في إن يكون عندي أساس تقني. لكن في نفس الوقت المشروع علمني حاجات كتير جدًا خارج نطاق الدراسة. خصوصًا إنك لما تبني منتج حقيقي لازم تفكر في تجربة المستخدم، والأمان، والأداء، وقابلية التوسع. مش بس إن الكود يشتغل».
ويؤكد مؤسس «سند» أن طموحه خلال الفترة المقبلة هو تطوير المنصة بشكل أكبر. والاستماع إلى المحفظين والطلاب لمعرفة الاحتياجات الفعلية التي يمكن أن تتحول إلى مزايا جديدة داخل النظام.
ويختتم بلال حديثه لـ«وطن رقمي» قائلًا: «أنا مؤمن إن التكنولوجيا قيمتها الحقيقية بتظهر لما نستخدمها في حل مشكلة حقيقية. وسند بالنسبة لي تجربة بدأت من مشكلة بسيطة لاحظناها في طريقة إدارة حلقات التحفيظ أونلاين. وحاولنا نحولها لحل تقني متكامل. وطموحي إن المنصة تكبر. وتوصل لعدد أكبر من الطلاب والمحفظين. وتكون فعلًا أداة بتساعد في خدمة القرآن الكريم من خلال التكنولوجيا».
وتقدم منصة «سند» نموذجًا لتجربة شبابية تحاول الجمع بين المعرفة التقنية والاحتياج المجتمعي. عبر تحويل أدوات البرمجة والذكاء الاصطناعي والبنية السحابية وإدارة البيانات إلى مكونات داخل منظومة تستهدف تنظيم تجربة تحفيظ القرآن الكريم عن بُعد. في محاولة للانتقال من استخدام أدوات عامة إلى بناء منصة مصممة خصيصًا لطبيعة هذا النوع من التعليم.
ويمكن الاطلاع على المنصة وتجربة واجهتها من خلال موقع «سند».




















