في المؤسسات الكبرى، لا تُقاس قيمة القيادات الإدارية بعدد المناصب التي شغلتها فقط، وإنما بقدرتها على توظيف خبراتها في تطوير المؤسسات، وتعظيم الاستفادة من أصولها، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج اقتصادية وتشغيلية ملموسة.
ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الأستاذ عبد الفتاح الجبالي، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، باعتبارها تجربة تجمع بين التكوين الاقتصادي المتخصص والخبرة الصحفية والبحثية، والعمل في مواقع حكومية ومؤسسية متعددة، وصولًا إلى قيادة أحد أهم الكيانات الإعلامية والإنتاجية في مصر والمنطقة.
فخلف هذا المسار الإداري تقف رحلة مهنية بدأت من البحث الاقتصادي والصحافة المتخصصة، مرورًا بمؤسسة الأهرام ووزارة المالية ووزارة التخطيط والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وصولًا إلى مدينة الإنتاج الإعلامي، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورات مهمة في نتائج أعمالها وتنوع أنشطتها.
خبرة تمتد لأكثر من أربعة عقود بين الصحافة والبحث الاقتصادي والعمل الحكومي.. وقيادة إدارية شهدت خلالها مدينة الإنتاج الإعلامي نموًا في الأرباح والإيرادات، وتوسعًا في الاستوديوهات ومناطق التصوير، وتطويرًا لمصادر الدخل والأنشطة الإنتاجية.
التكوين العلمي.. خلفية اقتصادية صنعت مسارًا مختلفًا
وُلد عبد الفتاح عبد المعز علي إسماعيل، المعروف باسم عبد الفتاح الجبالي، في 20 يناير 1958، وحصل على بكالوريوس التجارة، شعبة المحاسبة، من جامعة عين شمس في مايو 1980، ثم حصل على دبلوم الدراسات العليا المتعمقة من جامعة السوربون بباريس في نوفمبر 1987.
وكان التكوين الاقتصادي نقطة انطلاق أساسية في مسيرته المهنية، التي اتجهت مبكرًا إلى البحث والتحليل الاقتصادي، قبل أن تتوسع لتشمل الصحافة والإدارة وصناعة السياسات العامة.
بدأ عمله باحثًا اقتصاديًا باتحاد الغرف التجارية المصرية عام 1981، كما عمل باحثًا غير متفرغ بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية خلال الفترة من 1984 إلى 1996.
وفي بداية التسعينيات، اتجه إلى الصحافة الاقتصادية، فتولى رئاسة قسم الاقتصاد الدولي بجريدة العالم اليوم الاقتصادية بين عامي 1990 و1992، ثم منصب مدير تحرير قسم الاقتصاد الدولي بجريدة الاقتصادية خلال الفترة من 1992 إلى 1993.
الأهرام.. سنوات من البحث والتحليل وصناعة الرؤية الاقتصادية
تمثل مؤسسة الأهرام واحدة من أبرز المحطات في مسيرة الجبالي، حيث تولى رئاسة وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية خلال الفترة من 2000 إلى 2009.
كما تولى رئاسة تحرير التقرير الاستراتيجي العربي، ورئاسة تحرير دورية «كراسات استراتيجية»، وهي من الإصدارات البحثية المتخصصة التي تناولت قضايا الاقتصاد والسياسة والاستراتيجيات التنموية.

وفي أغسطس 2009، تولى منصب نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام، قبل أن يتولى رئاسة مجلس إدارة المؤسسة في نوفمبر 2011 وحتى سبتمبر 2012.
وخلال هذه المرحلة، تعزز حضوره في ملفات الاقتصاد والسياسات العامة والإدارة المؤسسية، مستفيدًا من خلفيته البحثية وخبرته في الصحافة الاقتصادية.
من وزارة المالية إلى التخطيط.. حضور في دوائر صنع السياسات
امتدت خبرة الجبالي إلى العمل الاستشاري داخل الحكومة، حيث تولى منصب مستشار وزير الاقتصاد خلال الفترة من فبراير 1995 إلى يناير 1996.
ثم عمل مستشارًا لوزير المالية من يناير 2000 حتى ديسمبر 2005، وعاد إلى المنصب في فبراير 2011.
كما تولى منصب مستشار لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب خلال الفترة من 2008 إلى 2010، ثم مستشار وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري من 2012 حتى سبتمبر 2018.

وتضمنت مسيرته عضوية مجالس إدارات ومؤسسات اقتصادية ومالية، من بينها بنك الاستثمار القومي، وبنك ناصر الاجتماعي، ونايل سات، وهيئة الثروة المعدنية، إلى جانب عدد من الشركات والهيئات.
كما تولى رئاسة مجلس إدارة جريدة الوطن المصرية من سبتمبر 2015 إلى سبتمبر 2019، ورئاسة مجلس إدارة وكالة الأخبار العربية بين أكتوبر 2015 ويناير 2017.
وفي أبريل 2017، تولى منصب وكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، واستمر في هذا الموقع حتى عام 2021.
جوائز وتقدير علمي وصحفي
حصل الجبالي على جائزة نقابة الصحفيين المصريين لأفضل مقال تحليلي عام 1987، كما حصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاقتصادية، تخصص المالية العامة، عام 2005.
ويمتلك رصيدًا بحثيًا وفكريًا يتناول قضايا المالية العامة والموازنة والدين العام والعدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي.

ومن بين أعماله المنشورة كتاب «النظام النقدي الدولي»، و«مؤسسات التمويل الدولية»، إلى جانب دراسات متخصصة في الإنفاق العام والسياسة الضريبية والدين العام المحلي والخارجي، وإعادة التوازن المالي للمؤسسات الصحفية القومية.
كما يواصل نشاطه البحثي، ويشغل منصب مستشار اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومدرس المالية العامة غير المتفرغ بمعهد التخطيط القومي، إلى جانب مشاركته في عدد من اللجان الاقتصادية والقومية.
مارس 2022.. بداية مرحلة جديدة في مدينة الإنتاج الإعلامي
في 26 مارس 2022، تولى عبد الفتاح الجبالي رئاسة مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، خلفًا للإعلامي أسامة هيكل.
وجاء اختياره لقيادة المؤسسة في وقت كانت فيه صناعة الإعلام تشهد تحولات كبيرة، مع تصاعد المنافسة بين منصات البث الرقمي، وتغير نماذج الإنتاج والتوزيع، وتزايد أهمية التكنولوجيا في صناعة المحتوى.

ومن هنا، أصبحت المهمة الأساسية أمام الإدارة هي تعظيم الاستفادة من الأصول المتاحة، وتنويع مصادر الإيرادات، وتطوير الخدمات الإنتاجية والفنية، ورفع كفاءة التشغيل، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للمدينة في خدمة صناعة الإعلام المصرية والعربية.
وفي أبريل 2025، جددت الجمعية العامة ثقتها في الجبالي رئيسًا لمجلس الإدارة والعضو المنتدب لفترة جديدة، بعد اعتماد نتائج أعمال الشركة عن العام المالي 2024.
لغة الأرقام.. نمو مالي يعكس تطور أداء المؤسسة
تعد النتائج المالية من أبرز المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها في تقييم أداء مدينة الإنتاج الإعلامي خلال فترة قيادة الجبالي.
ففي عام 2023، سجلت الشركة صافي أرباح بلغ نحو 481.6 مليون جنيه، مقارنة بنحو 272 مليون جنيه في العام السابق، بنسبة نمو بلغت 78% وفق البيانات المنشورة وقتها.
وفي عام 2024، ارتفع صافي الربح إلى نحو 801 مليون جنيه، مقارنة بـ481.6 مليون جنيه في 2023، بنسبة زيادة بلغت 66.5%، فيما وصلت الإيرادات إلى 1.109 مليار جنيه، مقابل 874.5 مليون جنيه في العام السابق.

أما في عام 2025، فقد أظهرت القوائم المالية المعتمدة تحقيق صافي ربح قدره 783.5 مليون جنيه، وإيرادات بلغت 1.268 مليار جنيه، مقابل 1.109 مليار جنيه في 2024، بزيادة بلغت 14%.
وتكشف هذه النتائج عن استمرار قدرة الشركة على تحقيق مستويات مرتفعة من الإيرادات والأرباح، مع تنوع مصادر الدخل وتوسع الأنشطة التشغيلية.
2026.. استمرار النمو وتجاوز المليار جنيه في الإيرادات خلال تسعة أشهر
واصلت الشركة تحقيق نتائج إيجابية خلال عام 2026، حيث أظهرت المؤشرات المالية المجمعة المعلنة عن الأشهر التسعة الأولى، والمنتهية في 30 سبتمبر، ارتفاع صافي الأرباح بعد الضريبة إلى نحو 746.29 مليون جنيه، مقابل 475.30 مليون جنيه خلال الفترة المقابلة من 2025، بمعدل نمو 57.01%.
كما ارتفعت الإيرادات المجمعة إلى نحو 1.015 مليار جنيه، مقابل 886.63 مليون جنيه خلال الفترة المقارنة، بنسبة نمو بلغت 14.5%.
وارتفع مجمل الربح إلى نحو 685.53 مليون جنيه، مقابل 590.75 مليون جنيه، بنسبة نمو 16.04%.
وتشير البيانات التفصيلية التي أعلنتها الشركة إلى أن النمو لم يكن ناتجًا عن نشاط واحد، بل جاء من مجموعة متنوعة من الأنشطة، في مقدمتها الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام، ومجمعات الاستوديوهات، والإيجارات، ومركز إحياء التراث، ومناطق التصوير، إلى جانب الأنشطة التابعة الأخرى.
ومن اللافت أن إيرادات الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام سجلت زيادة بلغت نحو 52.46 مليون جنيه خلال الفترة، لتكون أحد أبرز مصادر نمو الإيرادات.
وتجدر الإشارة إلى أن أرقام التسعة أشهر تمثل مؤشرات مالية معلنة للشركة، وكان تقرير مراقب الحسابات بشأنها لا يزال منتظرًا وقت نشر الإفصاح في 4 نوفمبر 2026.

الاستوديوهات.. تعظيم الأصول وتحويل الطاقة الإنتاجية إلى إيرادات
من أبرز محاور التطوير التي شهدتها المدينة التوسع في إنشاء الاستوديوهات وزيادة الطاقة الاستيعابية لخدمة شركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية.
فوفقًا لما أعلنته الشركة في اجتماع جمعيتها العامة في مارس 2026، وصل عدد الاستوديوهات إلى 109 استوديوهات، جرى تأجير 99 منها، بنسبة تتجاوز 90%.
كما أشارت الإدارة إلى وجود طلب متزايد من شركات الإنتاج والمستثمرين على استئجار الاستوديوهات، مع التوجه نحو إنشاء استوديوهات جديدة لتلبية هذا الطلب.
ولا يقتصر التطوير على المباني والتجهيزات، بل يمتد إلى تحديث الخدمات الفنية ومراكز البث والتصوير، بما يعزز قدرة المدينة على استضافة الإنتاجات المحلية والعربية والدولية.
مناطق التصوير المفتوحة.. تحويل المدينة إلى وجهة إنتاج متكاملة
شهدت مناطق التصوير المفتوحة عمليات تطوير وإضافة مواقع جديدة، بما يتيح لشركات الإنتاج تنفيذ أعمال درامية وسينمائية في بيئات تحاكي مراحل مختلفة من التاريخ المصري.
ومن أبرز الإضافات منطقة ألف ليلة وليلة ومنطقة غزة، التي شهدت تصوير مسلسل «صحاب الأرض»، إلى جانب تطوير منطقة القلعة.

كما توسعت المدينة في مناطق التصوير التي تقدم نماذج معمارية وتاريخية متنوعة، بما يتيح تنفيذ أعمال إنتاجية دون الحاجة إلى إنشاء مواقع تصوير كاملة خارج المدينة في كل مرة.
ويعكس هذا التوجه أهمية استثمار الأصول العقارية والتاريخية للمدينة باعتبارها أحد مصادر الدخل، وأحد عناصر الجذب لشركات الإنتاج.
لجنة مصر للأفلام.. فتح أبواب مصر أمام الإنتاج العالمي
يعد نشاط التصوير الأجنبي من الملفات المهمة في استراتيجية المدينة، خاصة مع امتلاك مصر مقومات طبيعية وتاريخية وسياحية تجعلها موقعًا مناسبًا لتصوير الأعمال السينمائية والتلفزيونية العالمية.
ومن خلال لجنة مصر للأفلام، تعمل المدينة على تنسيق التصاريح والإجراءات والتسهيلات اللازمة لشركات الإنتاج الأجنبية، بما يسهم في جذب أعمال تصوير دولية إلى مصر.
ووفقًا لما أعلنته الشركة في اجتماع الجمعية العامة لعام 2025، بلغ عدد الأعمال الأجنبية التي أشرفت اللجنة على تصويرها منذ عام 2019 نحو 105 أعمال من جنسيات مختلفة، في مواقع أثرية وسياحية متعددة داخل مصر.
ويمثل هذا النشاط فرصة لزيادة العوائد الاقتصادية، وتوفير فرص العمل للكوادر الفنية والإنتاجية، والترويج للمقاصد المصرية من خلال الأعمال العالمية.
إحياء التراث.. حماية الذاكرة السينمائية والتلفزيونية
من الملفات التي شهدت اهتمامًا بالتطوير مركز إحياء وترميم التراث السمعي والبصري، الذي يعمل على ترميم وحفظ المواد السينمائية والتسجيلية والوثائقية.
وخلال عام 2024، أعلن الجبالي عن ترميم 2700 نسخة من جريدة مصر السينمائية، إلى جانب 61 فيلمًا روائيًا وتسجيليًا، وترميم الأفلام التسجيلية التي توثق مراحل بناء السد العالي.
ويمثل هذا النشاط بعدًا ثقافيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه؛ فإحياء التراث لا يحافظ فقط على الذاكرة الوطنية، بل يفتح أيضًا فرصًا لإعادة تسويق المحتوى الأرشيفي والاستفادة منه في الأسواق الإعلامية العربية والدولية.
التدريب والتعليم.. الاستثمار في الكوادر الإعلامية
لم يقتصر التطوير على الاستوديوهات والخدمات الإنتاجية، بل امتد إلى ملف التعليم والتدريب من خلال مركز التدريب UP SKILL، والأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام.
وتعمل هذه المؤسسات على تطوير مهارات العاملين والطلاب في المجالات الإعلامية والفنية والتكنولوجية، من خلال تحديث التجهيزات وإبرام بروتوكولات تعاون مع الجامعات والمؤسسات التدريبية.

ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية في ظل التحولات التي تشهدها صناعة الإعلام، مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي والإنتاج الافتراضي والتصوير الرقمي وتطبيقات الواقع الممتد إلى مختلف مراحل الإنتاج.
من إدارة مدينة إلى تطوير منظومة صناعة الإعلام
تتجاوز تجربة الجبالي في مدينة الإنتاج الإعلامي حدود إدارة الاستوديوهات ومناطق التصوير، لتشمل إدارة منظومة متنوعة من الأنشطة والأصول والخدمات التعليمية والفنية والإنتاجية.
وتكشف المؤشرات المالية والتشغيلية المنشورة عن تحسن واضح في نتائج الشركة خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع توسع في الاستوديوهات ومناطق التصوير، وزيادة الاعتماد على مصادر دخل متعددة.
ومع ذلك، فإن التحدي المستقبلي لا يتوقف عند الحفاظ على معدلات النمو الحالية، بل يمتد إلى تحويل المدينة إلى مركز إقليمي أكثر تنافسية للإنتاج الإعلامي، قادر على جذب الاستثمارات الدولية، وتقديم خدمات متطورة تواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة.

تقدم مسيرة عبد الفتاح الجبالي نموذجًا لقيادة جمعت بين الاقتصاد والصحافة والبحث والإدارة، بينما تظل تجربة مدينة الإنتاج الإعلامي هي الاختبار العملي الأهم لقدرة هذه الخبرات على تطوير مؤسسة تمتلك أصولًا وإمكانات كبيرة، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وإنتاجية وثقافية مستدامة.







