مجلة وطن رقمي

دكتور محمد حجازي استشاري التشريعات الرقمية يكتب: السيادة الرقمية بين الواقع والمأمول

تعيش المنظومة الدولية اليوم تحول جوهري أعاد تعريف مفهوم “سيادة الدولة” بمفهومها التقليدي؛ فلم تعد القوة تنحصر في الحدود الجغرافية أو بسط السيطرة على المعابر البرية والمياه الإقليمية، بل امتدت لتشمل الفضاء السيبراني بكل مكوناته.

في هذا المشهد المتغير، تبرز “السيادة الرقمية” بوصفها قدرة الدولة الوطنية على بسط ولايتها الدستورية والتشريعية والتنفيذية والقضائية على فضائها الإلكتروني، وممارسة حقها الأصيل في إدارة بياناتها وبنيتها التحتية الحيوية باستقلالية تامة، وتوجيه مسارها التكنولوجي المستقبلي دون ارتهان لإملاءات أجنبية أو ضغوط احتكارية.

السيادة الرقمية.. من السيطرة الشاملة إلى الاستقلالية الاستراتيجية

تاريخياً وعملياً، تبلور مفهوم السيادة الرقمية عبر مسارين فكريين واستراتيجيين متباينين، المسار الأول هو مفهوم “السيادة السيبرانية” التقليدي الصارم، الذي ينطلق من مبدأ فرض السيطرة الشاملة للدولة على تدفق البيانات وشبكات الاتصال والمحتوى الرقمي، وهو مسار يميل عملياً نحو الانغلاق التقني وإقامة جدران نارية محكمة.

في المقابل، يبرز المسار الثاني الذي صاغه الاتحاد الأوروبي تحت مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية”، والذي لا يستهدف الانعزال أو قطع شرايين التواصل مع العالم، بل يركز بصورة عملية على تنويع الخيارات، وتقليل مخاطر التبعية التكنولوجية لمورد أحادي، وحرية اتخاذ القرار التقني المستقل.

وهذا المسار الأخير يمثل الخيار الأكثر واقعية وملاءمة لدولة بحجم مصر، تسعى استراتيجياً لترسيخ موقعها بوصفها مركزاً إقليمياً وعالمياً ريادياً لتداول البيانات واستضافتها، وليس بيئة مغلقة تعزل نفسها عن التدفقات العالمية.

الأبعاد الرئيسية لمنظومة السيادة الرقمية

ويتسع مفهوم السيادة الرقمية ليتحول إلى هيكل متكامل من الأبعاد المتشابكة، حيث يتسبب أي خلل في بعد واحد في إسقاط بقية الأبعاد وإفراغها من مضمونها.

تبدأ هذه الدائرة من “سيادة البيانات”، المتمثلة في وضع ضوابط سيادية تحدد مواضع تخزينها ومعالجتها وشروط انتقالها عبر الحدود، والتحكم المطلق في صلاحيات الوصول إليها.

وتتكامل هذه السيادة مع “سيادة البنية التحتية” التي تشمل امتلاك وإدارة خطوط الكابلات البحرية والأرضية، ومراكز الحوسبة السحابية العملاقة، وشبكات الجيل الخامس، ونقاط تبادل الإنترنت الحيوية.

ويلي ذلك “السيادة التقنية”، المعنية بالقدرة على تطوير البرمجيات المعقدة، وبناء خوارزميات الذكاء الاصطناعي الوطنية، وتدقيق أنظمة التشفير واختبارها محلياً، بما يمنع الوقوع في فخ الاحتكار التقني.

السيادة التشريعية والاقتصادية وحماية بيانات الأفراد

كل ذلك لا يكتمل إلا بسيادة تشريعية وتنظيمية تملك آليات الإنفاذ الحقيقي، ليس فقط محلياً، بل على المنصات والشركات العابرة للحدود التي تقدم خدماتها داخل الدولة، يواكبها “سيادة اقتصادية” تحتفظ بنصيب عادل من عوائد الاقتصاد الرقمي عبر الضرائب العادلة وقواعد منع الممارسات الاحتكارية، وتتوج جميعاً بـ “السيادة الفردية” التي تصون الخصوصية وتمنح المواطن الحق الدستوري في حماية بياناته الشخصية من الاستباحة.

تحديات تحقيق السيادة الرقمية وتداخل الأبعاد التقنية

إن التحدي الجوهري في هذه المنظومة يكمن في ترابطها العضوي؛ فالترسانة التشريعية الأكثر تطوراً وحداثة تفقد أي قيمة عملية إذا كانت البيانات الحكومية والحرجة مستضافة على سحابة إلكترونية تتبع مزوداً أجنبياً يلزمه قانون بلده الأصلي بتسليم البيانات عند الطلب بغض النظر عن موقع التخزين الفعلي.

وبالمثل، فإن الإنفاق المالي الضخم لتوطين الخوادم على الأراضي الوطنية يغدو بلا جدوى سيادية إذا كانت مفاتيح التشفير أو البرمجيات المتحكمة تُدار عبر خوادم مفتاحية في دولة خارجية.

لماذا يصعب تحقيق سيادة رقمية مطلقة؟

وعليه، فإن الواقعية السياسية والتقنية تفرض الاعتراف باستحالة تحقيق “سيادة رقمية مطلقة”؛ فالمنظومة العالمية تقوم على اعتماد متبادل وتشابك عضوي عابر للقارات.

فتصنيع أشباه الموصلات والرقائق الدقيقة الأكثر تقدماً في العالم يتركز في سلاسل توريد معقدة تشترك فيها قوى محدودة، وتتفرد شركة هولندية واحدة بصناعة أجهزة الطباعة الضوئية بالغة التعقيد اللازمة لإنتاجها، بينما تسيطر شركات معدودة على سوق الحوسبة السحابية العالمي.

يضاف إلى ذلك أن حوكمة الإنترنت الدولية وإدارة أسماء النطاقات والبروتوكولات لا تملكها أي دولة منفردة، بل تخضع لمنظومة إدارة دولية متعددة الأطراف، فضلاً عن أن عصب البنية البرمجية لكبرى المؤسسات يرتكز على البرمجيات مفتوحة المصدر التي يشرف عليها مجتمع برمجي دولي حر يتجاوز الولايات القضائية للدول.

لذلك، فإن محاولة تحقيق اكتفاء ذاتي تقني مطلق هي خيار وهمي باهظ التكلفة يؤدي إلى عزلة رقمية خانقة ويضرب مناخ الاستثمار الدولي في مقتل، ويتعارض صراحة مع طموح الدولة المصرية في أن تكون ملتقى رقمي يربط الشرق بالغرب.

7 محاور استراتيجية لتعزيز السيادة الرقمية في مصر

البديل الحقيقي والواقعي يكمن في تبني استراتيجية ونهج عملي يعترف بالارتباط العالمي، ويتطلب تجسيد هذه الاستراتيجية عملاً متوازياً عبر سبعة محاور رئيسية متصلة فعلى المحور التشريعي، لا تزال الحاجة ماسة لاستكمال المظلة الحالية بقانون إطاري شامل للأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحرجة، وإقرار تشريع لتصنيف البيانات وتنظيم مراكز البيانات والحوسبة السحابية.

وعلى المحور المؤسسي، يتطلب الأمر إنهاء التشتت بين الجهات الرقابية المتعددة عبر توحيد إجراءات الإبلاغ عن الحوادث السيبرانية وتحديد الصلاحيات بدقة من خلال نافذة وطنية موحدة.

أما على محور البيانات، فالأولوية تتجسد في تحديد ما هو سيادي وحرج يجب توطينه إجبارياً على أراضٍ وطنية، وما يمكن تداوله بمرونة لدعم الاستثمار الرقمي.

ويقترن ذلك بالمحور التقني والبنية التحتية عبر إنشاء سحب حكومية ذاتية الإدارة، وامتلاك خوارزميات وطنية للذكاء الاصطناعي ومعايير تشفير محلية، واستثمار الموقع الاستراتيجي الفريد لكابلات الاتصالات البحرية التي تعبر مصر وتربط قارات العالم القديم.

كما يتطلب المحور التعاقدي صياغة نموذج عقود حكومي ملزم يخضع للقضاء والقانون الوطني ويمنح حق التدقيق الأمني وخطة خروج واضحة، مدعوماً بالمحور البشري المعني بسد فجوة الكفاءات التخصصية وتأهيل قضاء متخصص في المنازعات الرقمية المعقدة، وانتهاءً بالمحور الدولي عبر الدبلوماسية الرقمية الفاعلة، وإبرام اتفاقيات ثنائية ودولية لمكافحة الجرائم السيبرانية وتبادل الأدلة، مثل التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة للجرائم السيبرانية.

مستقبل السيادة الرقمية في مصر.. بين الاستقلال والانفتاح العالمي

إن السيادة الرقمية الكاملة غير قابلة للتحقق في عصر الترابط والتشابك التكنولوجي، غير أن التراخي في بنائها يشكل خطراً فادحاً يهدد مقدرات الأمن القومي والاقتصاد والحقوق الدستورية للأفراد. وبينهما مساحة استراتيجية واسعة يجب أن تتحرك فيها الدولة المصرية باحترافية عبر أدوات التشريع، والتعاقد الرشيد، والتنظيم الصارم؛ فالمعيار الحقيقي للسيادة الرقمية اليوم لا يُقاس مطلقاً بعدد النصوص القانونية أو المبادرات الشكلية، بل يُقاس بامتلاك الدولة لبدائل تقنية فعالة، واستقلالية قرارها التشغيلي، وقدرتها على إنفاذ إرادتها الوطنية عند اللزوم.

د. محمد حجازي

استشاري التشريعات الرقمية

الرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين

يمكنكم قراءة العدد كاملًا عبر الرابط التالي:

 

https://drive.google.com/file/d/10dzmlWxMo8bv4N1vjWQyMizwmKsivN1R/view?usp=drivesdk

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى